كأن تتصل بخدمة العملاء فتوصلك الى رسالة مسجلة عن مزايا المنتج الجديد، فلا تصبر دقيقتين، وتقفل الخط وتشتعل غضبا، وتقرر انك فشلت في الحصول على اجابة عن سؤال بسيط حول فاتورة الانترنت.

كأن تصبح كل الكراسي في البيت والمكتب والمقهى أسواطا تجلد اسفل ظهرك، فتتمنى لو تشعل فيها النار وتحلم بكرسي من هواء، من ماء، من غيم، من عطر، يمكّنك من الجلوس وتصفح الأخبار على الانترنت وتدوين الملاحظات، من دون ان يحترق عامودك الفقري ألما.

كأن تنسى عيد ميلاد من تحب.

كأن تنسى تجديد ملكية السيارة، التي تنسى أن تدفع للعامل الذي ينظفها كل يوم راتبه الشهري، فيذكّرك بلطف، وتنظر اليه بندم احراج، وتقول بيأس: « حسنا، آي بي يو تومورو»، وينصرف على دراجته سعيدا ودلوه يتمايل في الخلف، وتنصرف الى بيتك حزينا، ويأتي «تومورو» وتنسى أن تدفع له.

ويزيد يأسك، وتدوّن على ورقة عبارة «لا تنسى»، وتعلّقها على الثلاجة بقطعة مغناطيس باهتة اللون، وتنسى أن تتفقد الورقة، ولا يجذبك المغناطيس فتتذكر ما كتب عليها أن « لا تنسى»، وتنسى الثلاجة، فتموت عيدان النعناع في داخلها وتصبح عفنة سوداء.

كأن يهرب منك مزاج القراءة، فتنتظر الرواية المهملة جانب السرير أسابيع، من دون أن تستكمل ما تبقى من صفحات، ويأكل غلافها الغبار، وتراقب الغبار كل يوم يتزايد، ولا تجد رغبة في مسحه، ولا تجد قدرة على مسحه، فتتسخ شخصيات الرواية، ويهب ريح صحراوي ساخن على يومياتها، والأحداث، محملا برائحة النسيان والموت، وتعدو الشخصيات، البطلة والثانوية، في صحراء الصفحات من دون أن تصل. من دون أن تتفلت من وطأة الهواء الأصفر المخنوق. تموت الرواية، الى جانب وسادتك، على السرير، ولا تقوى على فعل شيء.

كأن تسقط البطارية من «ريموت كونترول» جهاز التلفاز، فتثبتها أول مرة، توجهها الى مستقبل البث، فلا تلتقط الإشارة، تغّير وضعية جلوسك، ظنا منك أن ذلك يسهل عبور الأشعة، فلا تنتبه الى التواء رجل الكرسي، فتسقط على الأرض، ويؤلمك ظهرك بقوة، ويقع الـ«ريموت» من يدك، وتفلت البطارية، وتجد نفسك على البلاط، محبطا، والى جانبك كرسي مكسورة، و«ريموت» مفكك، وتنظر الى الشاشة، وترى القذافي في لقطات مستعادة من مقابلات سابقة، يتهكم على ثورة الشعب التونسي، ويقول «لا زين الا الزين»، ويزداد احباطك، فصورة القتل ستظل ثابتة على شاشتك، ولن تفلح في تغييرها. البطارية تحت الكنبة والكرسي مكسورة وثمة مشكلة في ايصال الموجة وظهرك يوجعك.

كأن يتسرب الماء من مغطس الحمام، كلما اغتسلت، وتظن أن مسألة استقدام «سباّك»، في هذه الظروف، هي محض ترف، في الوقت الذي يموت فيه أطفال العرب وتموت نساء العرب ويموت شيوخ العرب.. في مخابئهم في بيوت البشر وفي بيوت الله!

كأن تنتظر أملا يسطع من التلفاز لكي تعود حياتك الى سابق عهدها وتترتب الأشياء.. والأحاسيس!