.. وخرج الى عكاظ، ناقما لائما سائما، وصاح: يا قوم، أما بعد، فقد استفحل الغباء، ونال الجهل من الخطباء، وحل البلاء، فلا تصدقوا ولا تنصتوا، وان سمعتم فاضحكوا، ولعابكم فالعقوا، فلا يشط لجائر، ولا «ينط» لكم جسد من اجل قاتل. يا قوم، فإن جاءكم خطيب يحمل قلما بيده، ويلوح بالقنبلة الموقوتة، فاعرفوا أن قلمه زينة، وعقله تنقصه الفكرة الرزينة، وهو متحجج بالبحث عن يد امينة، سيفجر القنبلة في وجوهكم، ويطيّر العيون عن المقل، ويسلخ الأجنحة عن الأمل، وفي اجرامه سيضرب يوما المثل.
يا قوم، وحدوا الله، ولا تعبدوا الا إياه، ولا تتخذوا من دونه وثنا. والحجر صنم، والصنم لا يفقه ولا يشعر ولا يحس ولا يبكي. والصنم لا يسمع أصوات الجياع ولا صراخ المكلومين ولا توسلات اليتامى، وفي قلب الصنم صنم، وفي الصنمين دماء لا تجف. ولا تصدقوا من يعبد وثنا، وكرسي الرئاسة وثن، وثمة في «السوق» من يعبده، ولا يتخلى عنه، ولا يفضل عليه أحدا، بل يفني الكل لكي يبقى الوثن، ولا يتلف الكرسي.
يا قوم، هبوا قلبا واحدا واصرخوا في وجوه عبدة الكراسي ان يتعظوا وأن يسمعوا وأن يعوا.. فـ«من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.. أين الآباء والأجداد، وأين المريض والعواد؟ وأين الفراعنة الشداد، أين من بنى وشيد، وزخرف ونجد؟ أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم الدهر بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية..».
ثم خرج أعرابي من بين الجموع، وعرض على قس بن ساعدة نقشا لوجه فيه لؤم الزمان وضغينة المكان وشر الانسان، قال: وهذا يا خطيب العرب، ماذا تقول به؟ فتنهد قس، ومتكئا على سيفه، كما عادته، شرع بالقول: أما بعد، فهذا رجل عرف بجنونه، وحب ذاته، وفي الليل البهيم تتبدى له صور زائفة وخيالات آفلة عن شعوب تهتف باسمه، وزبادية تمسح بلاط قصره، وتمكنه من حكم البيداء والفلاء، والأرض والسماء، وإن بزغ النور، وتلاشت الأوهام، استكبر واستعر، وغضب وانفجر، وأحرق كما نيرون الحجر والشجر والبشر.
فخرج آخر وسأله: فما الحياة يا مفوّه؟ قال: آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب . ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج.
فزاد على السؤال: وماذا ايضا؟
نظر قس بن ساعدة متأملا في السماء. مشى، وسمع عنه يتمتم: وطغاة يلفهم النسيان.. وأحرار لطول الزمان. لطول الزمان.