أحن الى صباح هادئ. من دون نشرة أخبار. فنجان قهوة وزقزقة عصفور وغصن يتمايل وشرفة تتسع لمئة فكرة وحلم. لماء سلسل لا يهبط على الوجه لكي يغسل كوابيس الليل. ماء يغسل الوجه فينكشف أجمل، نضرا، من دون هالات السهر السوداء ورؤوس حبوب الـ«ستريس» البيضاء. الى ملاءة بيضاء يطيّرها هواء الصباح، فتصل الى طرف السرير، وتتحسب على الوجه، كشال الحرير يلعب به حبيب أو طفل أو أم. بيضاء الستارة، كما هو الحلم الأخير، تداعب النوم وتلملم آثاره الأخيرة عن الرموش.

أحن الى صباح لا قذافي فيه. الى حرية تنال من دون شلالات دماء. فقط ما يكفي من الدماء لكي يدق باب الحرية باليد المضرجة، فينفتح. قال أمير الشعراء إنها يد، ربما قصد مجازا العشرات أو المئات. لكن صباحات القذافي تأتي اليّ بموت كثير، وبأن آلاف الأيادي يجب أن تضرج بالدماء كي ينفتح هذا الباب. هذا القذافي يجعل باب الحرية عصيا على أن يفتح، يجنزره، يبث الصدأ في مفاصله، يدق المسامير في وجهه، فيبدو كما النعش.

والحرية ليست وردة تهدى الى مستحقيها. وليست هدية تأتي في كيس، لكن لماذا في عالمنا العربي الحرية لا تأتي الا حين تتكوم الجماجم ارطالا تحت التراب، وتمتلئ الثلاجات بجثث الموتى وأحلامهم، وتنقطع حياة الأطفال كما ينفرط عقد الياسمين فتذبل الزهور حالا وتسحل تحت الأقدام، ويتلاشى أثر عطرها. لماذا تغدو يومياتنا كفيلم سينمائي كوميدي من الدرجة الثانية، فتتحول قضايا محقة عن العيش بكرامة وعزة، ونول أبسط حقوق المواطنة، والانتفاض في وجه الجور الى سيناريو شبيه بفيلم عن «عصابة حمادة وتوتو»! هل تتذكرون هذا الفيلم الذي ظهر في الثمانينات ومثل فيه عادل إمام ولبلبة عن زوجين يكونان عصابة تتحايل على الناس وتسرق رزقها؟ زين العابدين وليلى الطرابلسي، حسني مبارك وسوزان، معمر القذافي وأبناؤه.. كل يوم نكتشف كما أنهم دسوا الصراصير في صحون وجباتنا لكي لا يدفعوا الحساب، ووضعوا الأقنعة على وجوههم في الليل، بعد ما توددوا الينا في النهار، فاقتحموا بيوتنا ومحالنا وسرقوها وحولوا رزق عيالنا الى حسابات في سويسرا وعقارات في لندن وودائع في أميركا.. تماما كما هي عصابة «حمادة وتوتو»، فعلوا، وفعلوا أكثر. دسوا سما، ووضعوا أقنعة مصاصي الدماء (أم تراهم كشفوا عما وراء الأقنعة)؟

أحن الى صباح هادئ، ينتهي فيه فيلم «العصابة» بخبر وصورة على شاشة التلفاز. خبر أخير. صورة أخيرة. جميعهم وراء القضبان. حينها فقط ستستعيد القهوة طعمها، والوجه نضارته، والعصفور زقزقته، والياسمين عطره. وأستعيد نفسي.. ولو قليلا!