موجود في الصندوق. احزر ما هو؟ سأساعدك قليلا. مواصفاته: متعدد الاستخدامات. في مرات هو درع واقية. أو راية. او شعار عن الدين أو فلسطين. في مرات، يكبر، في حضرة المؤتمرات الدولية والمؤتمرين والمتآمرين. يتعملق، يضرب فيه المثل في «النمو» و«التقدم» و«الرفاهية» وعبور الألفية والقرن والحدود والمجرة. يصبح فخر الصناعة، وشرف الزراعة، و«مربى» الطيبة و«عصير» الأمل. وفي مرات، يتقزّم. يصبح أقل من أن يرى ويسمع ويشم. يصبح كما أضغاث حلم أو فتات كسرة أو زغب ريشة في يوم ماطر مكفهر. يوم تسقط السماء القنابل، وتشرع الأبواب وتخلّع النوافذ ويعبر اللصوص والمرتزقة وشذاذ الآفاق إلى الصالون وغرفة النوم. يوم أن نزور المقابر فنكتشف أن من فيها أكثر منا، وأكثر حرية، وربما راحة..
هل عرفتموه؟ سأوضح أكثر.
له كل الألوان، هو اخضرار العشب بعد الشتاء وزرقة السماء بعد المطر، هو حمرة الحياء حين يبلغ سيل الوقاحة الزبى، ونضارة الطفل حين تغدو البراءة لعبة الأشرار. هو كل الألوان واللا لون. هو المسروق لونه، المخوف خطه، المنتهكة ملامحه، المشوهة اطلالته، المسلوبة كارزيماه، المكوية نظرته. هو اليد التي ترمي بورقة في الصندوق، لكي يأتي النصر سريعا، وتطلق الزغاريد، ويرمح القائد على فرسه، كرمح الزمان وفارس الزمان ومالك الزمان. وهو اليد التي تقطع إن حملت رغيف خبز في وجع مجوّع الفقراء، أو وردة في وجه زارع الأشواك، أو مصحفا في وجه الزنديق العتيق، أو بندقية في وجه صائد اليمام.
هل عرفتموه؟ موجود في الصندوق، ولم يعرفه أحد، بعد. احزروا، وقد تخرجونه. ساساعدكم أكثر.
ما هو، او من هو، الذي إن ذهب الى الصلاة يقتل في حرم الجامع، وإن ذهب الى الشرفة يقنص من السطح المجاور. وإن خرج للنزهة، وجد نفسه عاريا مغتصبا مكلوما مهانا في زنزانة. وإن تمشى قرب القصر خطف الى رأس تظاهرة تدعم السيّد، ووجد نفسه حاملا صورة شعار، شعار بحجم الألفية والقرن والحدود والمجرة. شعار بحجم الزمان. ما هو، أو من هو، الذي إن قاد سيارة إسعاف، ليوصل جرحاه الى مستشفى، وجد نفسه معهم في مشرحة. والذي إن هرع لتطبيب أبناء الحي المكلومين، الذين يلفظون الشهادة فيما دماؤهم تسيل على البلاط كما يسيل ماء التنظيف، لزجا سهلا، وجد نفسه غارقا في نهر الدماء، دمائه. من هو الذي يٌنهر شيخا، ويقتل طفلا، وينتهك أما ويشلّ شابا؟ موجود في الصندوق منذ مئات السنين، لا يرى النور ولا يتنفس العطر.
هل عرفتموه؟ انطقوا باسمه، جميعكم صيحة واحدة، قلبا واحدا، شعارا واحدا، كي تخرجوه من صندوقه الكبير. صندوقه الذي بحجم الألفية والقرن والحدود والمجرة. صندوق بحجم الزمان.
هل عرفتموه؟ انطقوا باسمه لكي يخرج المارد من القمقم ولا يعود الا وقد حقق السبع أمنيات: الحرية والعزة والكرامة والأمل والمحبة والسلام والتطور. انطقوا باسمه، إنه العربي.