تناولت أمس شيئاً من المتخيل كشفه في الأيام المقبلة، عبر برنامج خاص على تلفزيون الجماهيرية العظمى، الذي سيغير اسمه إلى تلفزيون ثورة فبراير، بعد سقوط معمر القذافي ونظامه، عن علاقة العقيد بفلسطين. وكنا قد وصلنا إلى الحلقة الثالثة من البرنامج التي كشفت عن أكبر عملية تضليل وابتزاز مزدوج قام بها القذافي الأب وابنه، عبر الإيحاء للعالم بأن سفينة ليبية اسمها «الأمل» ستكسر الحصار المفروض على غزة، بعد أيام وجيزة من إسالة دماء الأتراك في حادثة اسطول الحرية الشهيرة.

وتحدثنا عن التحليلات التي تذهب إلى أن كل الضجة التي أحاطت بسفينة «الأمل» القذافية كان المقصود منها صرف الانتباه عن جريمة إسرائيل التي أساءت إلى صورتها في العالم، وإعطائها فرصة أخرى لإظهار «تعاطفها» مع معاناة الشعب الذي تسجنه.

وبالفعل تم لها ما أرادت، وأصدرت «مؤسسة القذافي للتنمية آنذاك» (يرأسها سيف الإسلام) بياناً جاء فيه: أبلغنا الوسيط (النمساوي اليهودي مارتن شلاف صديق سيف الإسلام وصديق شارون!) انهم يقبلون بشروطنا وعمل كل ما يلزم للتنفيذ، لقد تمت الموافقة على السماح لليبيا بإنفاق مبلغ خمسين مليون دولار كانت تعهدت بها في القمة العربية التي عقدت في قطر العام الماضي لتنفيذ مشاريع إسكانية حتى لا يحل فصل الشتاء وتجد العائلات الفلسطينية نفسها في العراء. كما أعلنت السماح بدخول مواد البناء والإسمنت والحديد لأول مرة من أجل إنجاز مشاريع إعادة الإعمار، موضحة أن الأطراف المعنية تعهدت أيضاً بالسماح بنقل المرضى للعلاج خارج قطاع غزة.

هكذا، وعلى عادته، لعب نظام القذافي دوره التاريخي في انقاذ المجرم من ورطته، عبر التحايل والابتزاز وعلك اسم فلسطين والمتاجرة ببرد سكانها المحاصرين. لكن سيف خشي آنذاك أن يتم فهمه «خطأ» من قبل من وصفهم بـ«المزايدين» على القضية الفلسطينية، لقد صرح: «أما الأصوات التي تقول إن على الليبيين الدخول في مواجهة مسلحة فإننا نرد عليهم بالقول إن ذلك لم ولن يقدم للشعب الفلسطيني أي شيء. إن ذلك الطلب ينبغي توجيهه للجيوش العربية وليس لسفينة شحن بسيطة مهترئة ليس عليها إلا مواد غذائية وعدد محدود من الشباب المؤمنين بضرورة تقديم كل مساعدة لأهالي غزة وفك الحصار عنهم»، حسب ما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» منتصف يوليو الماضي.

هل نفهم شيئاً؟ سيف لم يكن ليعادي إسرائيل وسفينته المهترئة لم تكن لفك الحصار عن غزة بل إسرائيل. هذا ما سنتأكد منه في الحلقة التالية من البرنامج التي ستكشف لنا عن الزيارات السرية والخاطفة التي قام بها سيف لصديقه شلاف في فبراير الماضي مع اشتداد وطأة الثورة الليبية لكي يتوسط له لدى قياديي اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لكي تخفف ضغطها على نظام أبيه. لكن الوساطة لم تفلح، على ما يبدو، وامتلأت سماء بنغازي بطائرات أميركا والحلفاء، وقنابلها.

حين أمّ القذافي المصلين في جامع بطرابلس في ذكرى المولد النبوي، وخطب ضد إسرائيل، ودعا الفلسطينيين للزحف من أجل تحريرها، علق قارئ «مخدوع» على موقع الصحيفة التي نقلت الخبر: «والله رجال قليلون والرجال تجدهم بالمحن فعلاً كلامه دائماً صواب بصواب»!