معمر القذافي يؤم المصلين. المكان: مسجد في طرابلس. المناسبة: المولد النبوي الشريف. قبل أيام من اشتداد عود الانتفاضة الليبية. وقبل أسابيع من مجزرة مصراتة التي قتل فيها أطفال بقصف طائرات كتائب العقيد. الصورة نقلتها وكالة الصحافة الالمانية آنذاك مع عنوان:
«القذافي يدعو الفلسطينيين إلى الزحف سلمياً نحو فلسطين». برداء بني تظهر من تحته ياقة بيضاء، ولفة حول الرأس، وميكروفون مثبت قريبا منه لكي يتمكن المصلون من سماع صوته وهو يقيم ويكبّر ويدعو ويستغفر، قبل أن يستدير ويخطب: «الاعتراف بما يسمى بدولة إسرائيل التي تمثل استعمارا استيطانيا قام على طرد شعب بأكمله من أرضه.. خطأ من ناحية القانون الدولي.
حيث إنه تم تغيير اسم فلسطين إلى إسرائيل ولأن قيام هذا الكيان تم وفقا لإعلان من جانب واحد على أرض متنازع عليها.. لا يجب أبدا الاعتراف بالكيان الصهيوني، حتى تحل قضية الشعب الفلسطيني وعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وقيام دولة واحدة ديمقراطية».
ولم تكن تلك المرة الأولى التي يخطب فيها القذافي عن فلسطين وباسمها، لكنها كانت المرة الأخيرة. وحين يسقط القائد وتغرب نيران كتائبه عن صدور الشعب الأعزل، سيتغير «مزاج» التلفزيون الليبي، عبد المأمور، بشكل تلقائي، كما حصل في مصر وتونس. وسيظهر برنامج اسبوعي، يستضيف ضيوفا ومحللين وأبطالا من ثورة تحرير ليبيا، يكشفون في كل حلقة عما كان خافيا تحت الرداء، واللفة، وبعيدا عن الميكروفون. الحلقة الأولى ستكون مشوقة، اذ سنتعرف فيها على تسهيل القذافي مهمة اغتيال فتحي الشقاق، أمين عام حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية في جزيرة مالطا قبل 15 عاما.
الحلقة الثانية، ستزيد فيها جرعة التشويق، اذ إنها ستعرض صورا تجمع سيف الاسلام القذافي، والملياردير اليهودي النمساوي مارتن شلاف، في حفل عيد ميلاد سيف في الجبل الاسود، قبل عامين على ظهوره بذقن غير حليقة على دبابة يتوعد فيها الشعب بالقتل وإسالة الدماء. الصور حميمية للغاية وهي تعكس عمق العلاقة بين سيف وشلاف، المقرب بدوره من السفاح ارييل شارون ووزير الخارجية أفيغدور ليبرمان. ليبرمان يعتبر أن الفلسطينيين «هنود حمر ويجب رميهم في صحراء النقب.. مكانهم الطبيعي».
وسط صخب العيد، ربما أسرّ سيف في أذن مارتن قائلا: صديقي اريد من صديقك ان يعلمني كيف تتم ابادة الهنود. آنذاك، ربما تبادرت الى ذهن سيف، الذي يحمل دكتوراه مزورة من لندن العريقة، فكرة وضع ريش حمراء على رؤوس الشعب الليبي. لكن لا شيء مؤكد.
وعلينا ان ننتظر الحلقة الثالثة من البرنامج لكي نعرف ان شلاف هذا، الذي تربطه صداقة مع عائلات رئاسية عربية غير آل القذافي، هو الذي ناور مع حكومة اسرائيل من أجل تسويق «تجاوبها» في قبول ايصال المساعدات الانسانية الى شعب غزة المحاصر، في محاولة لاحتواء أصداء جريمة كانت قد ارتكبتها للتو في حق سفينة الحرية التركية. أسعفت سفينة الأمل الليبية، وكل البروباغندا الاعلامية التي أحاطت برحلتها المزمعة الى رفح (رست في النهاية في العريش)، ووساطة شلاف وتنسيقه مع القذافي بصرف الاهتمام بسفينة الحرية لصالة الأمل الذي لم يكتمل.. غدا بقية.