لم تكن جواهر أبو رحمة، ابنة بلعين في رام الله، تعرف أن موتها سيزورها حاملا لها هدية من ولاية بنسلفانيا الأميركية. ولا علاقة بين رام الله وبنسلفانيا غير أن قنابل الغاز التي يقتل بها أبناء الأولى يتم تصنيعها في الثانية. وقد تذكرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» قبل أيام جواهر، في سياق تقرير نشرته عن تجسيد قنابل الغاز المسيلة للدموع للسياسة الأميركية في العالم العربي، مستشهدة بالتصنيع الغزير لتلك القنابل في مدن تلك الولاية، وتصديرها بشكل خاص إلى الأنظمة التي تدير منطقتنا. ومن رام الله إلى تونس وطرابس والقاهرة، تتذكر الصحيفة المصور الفرنسي لوكاس مبروك الذي لقي مصرعه على إثر إطلاق غاز القنبلة في وجهه، أثناء أحداث ثورة الحرية التونسية، وبالطبع ليس المصور الفرنسي وحده، بل المئات من الشباب التونسي أيضاً.

وفي بنسلفانيا، التي خاضت ذات يوم معركة الاستقلال الأميركي عن الحكم البريطاني، والتي دعم إنتاج الفولاذ فيها مجهودات الحرب في الحرب العالمية الثانية، حيث أنتجت مصانعها وحدها أكثر مما أنتجته مصانع اليابان وألمانيا مجتمعة.. من ولاية الحديد والفولاذ والفحم الحجري والشوكولاتة والأغذية المعلبة، تأتينا أشياء أخرى، أكثر خطراً وفتكاً بالأحرار والمطالبين بالعيش بكرامة وعزة. يصنع رجال في سراديب وممرات ومخازن شركات «كومبايتد سيستمز إنك» و«نون ليثال تكنولوجي إنك» و«فيديرال لاباروتيريز» فخر الصناعة الأميركية، التي لطالما شحنت من جيمس تاون وهومر سيتي وسلولستبيرغ في الولاية، إلى مخازن أنظمة النظامين البائدين في مصر وتونس، ومخازن القذافي التي تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم إشعال النيران فيها. إنها الهدايا التي يكافأ بها طغاة العرب لكي «يعطروا» بها شوارع المدن والساحات التي يحكمونها، ويسربوها إلى عيون وأنوف وصدور شعوبهم، فينتزعوا أرواحهم لأنهم تجرأوا على قول «لا». وحين يسقط الطاغية، ويصبح كما الثور المدمى، غير القادر على الحفاظ على مصالح «الأسياد»، سينتفض هؤلاء في وجهه، ويشعلون النار في مخازن الهدايا.

ولا تعرف جواهر أن في بنسلفاينا نهر جميل وبحيرة تزقزق العصافير كل صباح على ضفافها اسمها «إيري»، ولم يشاهد شهداء التحرير في تونس والقاهرة الشمس وهي تشرق من وراء «جبال بوكونو»، ويقشعر بدنهم لجمال المنظر، فلم تتم دعوة أي منهم ذات يوم للسياحة في أراضي تلك الولاية، الذين ساهموا بشكل أو بآخر في تدعيم اقتصادها. أليسوا هم من يشكل «الأسواق المستهدفة» من وراء المنتج البنسلفاني القاتل؟ أليست «صدورهم» هي الأرصفة التي تشحن فوقها الحاويات؟ إنهم يدفعون أغلى ثمن؛ حياتهم، في سبيل «هضم» و«استهلاك» هذا المنتج المصدر. هم يشاركون في تمويل جهود تنظيف البحيرة و«ترتيب» الجبل.. هل يحتاجون أكثر من ذلك؟

لكن، لطرافة الأمر، وسخرية الأقدار المُرة والمصائر الخانعة، فإن تلك القنابل التي تصدر من بنسلفانيا تكون في العادة «منتهية الصلاحية»، بحسب ما كشف عنه في تقارير حديثة بعد الثورة التونسية. حتى بضاعتهم القاتلة حين يتم تصديرها إلينا، يشحن منها الأسوأ!