لفتني قبل يومين تقرير لوكالة الصحافة الأميركية (ايه بي) يتناول ما سماه «المشاركة الأميركية في دعم الثورات» في العالم العربي. للوهلة الأولى، وقبل الشروع في القراءة، قام ذهني بعملية «فايلنغ» (ارشفة) مباشرة للتقرير، في رف ما في دماغي، عليه ملصق: «تبييض وجه أميركا». على هذا الرف مئات التقارير التي تتفنن بعض الصحف ووكالات الأنباء الأميركية في صياغتها، تحديدا خلال وبعد الأحداث العظيمة التي يشهدها العالم، كالحروب والمآسي، والتي ترمي من خلالها الى اعطاء الذريعة والبعد الأخلاقيين لكل عمل أميركي. من هنا، ويا للأسفن تشغل تقارير «واشنطن بوست» الخبيثة، جزءا من رف دماغي، على سبيل المثال. ومن بغداد الى كابول، ومن القاهرة الى لاهور، يتنقل مراسلو هذه الوسائل لكتابة تقارير تهدف الى صناعة بعد جديد لـ«المسألة»، يتناسب أكثر مع الأجندة والادعاءات الأميركية، عن حقوق الانسان والتحضر، في الوقت الذي يموت فيه أطفال فلسطين ولبنان، برصاص تدفع أميركا ثمنه، ويغتال طغاة الحكم العربي أحلام شعوبهم ومقادراتها، ثم يطلقون النار على صدورهم، ويقصفون سطوح بيوتهم بالطائرات، بدعم ممتد لعقود (لا ليوم ولا شهر) قد تصل الى اربعة، أي اربعين سنة، كما في حالة القذافي.
ولكن حين تختل المعادلة، ويغير نهر التاريخ مساره عن المجرى الذي اختارته له «روما الجديدة»، وتنهض الشعوب العربية، لكي تنقلب على حكامها الطغاة، وتدافع عن ابسط حقوق العيش الكريم، ومن دون أنه تستأذن الولايات المتحدة ولا رئيسها ولا صقورها ولا رافعي مشاعل تمثال نيويورك للحرية، حتى أن البيض الأبيض يعود ليلوم أجهزة استخباراته التي لم تنبأه مسبقا عما سيحصل في مصر وتونس وليبيا.. بعد كل ذلك، والتضحيات التي دفعها ولا يزال شرفاء تلك البلاد، يطالنا تقرير الوكالة كما «النكتة» السمجة، فيقول: «ان بناء الثقة (أي الثقة التي أودت الى الثورة) هو عمل مدربين قادتهم الولايات المتحدة وأطراف أوروبية بمثابة الدافع أو المحفز لما حدث..». وفي موقع آخر:«..تشير التقديرات الى أن أكثر من 10 آلاف مصري شاركوا في برامج مولتها واشنطن من أجل الديمقراطية وبرامج الحكم الجيد منذ 2005»، وأيضا: «.. ويعتبر باسم سمير مثالا على ذلك ففي العام 2005 سافر هذا الناشط في الأكاديمية المصرية للديمقراطية (التي تتلقى منحا من أميركا) الى كل من واشنطن وهنغاريا وأماكن أخرى ليتعلم ويتثقف حول طرق التنظيم السياسي واستخدامات الاعلام الحديث وحملات التظاهر والاحتجاج وغير ذلك من المهارات..».
يورد التقرير، المكتوب في أكثر من 1500 كلمة، أمثلة كثيرة ومعلومات عن منح وتمويل وتدريب استفادت منه مراكز أبحاث وخدم افراد في مصر ومدون في الأردن اسمه عريب الرنتاوي، كما يفصّل الدور الأميركي في مراقبة نتائج «الانتخابات الرئاسية» في مصر، التي جاءت بحسني مبارك بنسبة 99% كما هي العادة..
طبعا غرابة وضعف الحجج التي تم سوقها لتأكيد فرضية «المساعدة الأميركية» للثورات الشعبية، تتبدى بعد أول قراءة عابرة، فمبارك كان يتلقى الملايين من الإدارة الأميركية لضمان بقاءه وأجندته، وسمير والرنتاوي لا يمكن أن يكونا قد أشعلا ثورة الملايين، التي قد تعاود الخروج الى الشارع في أي لحظة لكي تهتف ضد اميركا وسياساتها، وقد فعلت!