في السادس من مايو العام 1960 ثبت تمثال الشهداء في «ساحة البرج» في وسط مدينة بيروت. كانت الساحة قد اكتسبت اسم الشهداء قبل ذلك بكثير، منذ أن علق القائد العام للجيش الرابع العثماني جمال باشا، المشهور بكونه «السفاح»، مجموعة من الرجال على منصات المشانق في وسط الساحة في يوم حار من مايو العام .1916 اراد الفرنسيون، الذين دخلوا «لبنان الكبير» بعد أربع سنوات أن يذكّروا الشعب اللبناني، إلى الأبد، بـ«وحشية» حكم الامبراطورية العثمانية، التي كانت قد ماتت بعد الحرب العالمية الأولى، ونتيجة مخططات اشتركت فيها دول الغرب والشرق الأوروبي قاطبة، من دون أن ننسى دور الولايات المتحدة في قتل «رجل أوروبا المريض». المستعمر الجديد يرغب بأن يظهر بصورة المخلص وحامل الشعلة للفجر الجديد. أمر الجنرال هنري غورو بتصميم تمثال اسمه «الباكيتان»، يجسد امرأتين؛ إحداهما مسلمة والثانية مسيحية، تنتحبان على الشهداء الذين قتلهم «السفاح».
ستة وثلاثون سنة بقي التمثال في مكانه، وظلت الأرملتان يهدر نحيبهما في أنحاء الساحة والمدينة، حتى السادس من مايو 1956، وكان البلد قد نال استقلاله من الحكم الفرنسي، وبات ينظر إلى التمثال على أنه رمز للخنوع، يذكّر بعهد الاستعمار البائد، فما كان من الرئيس كميل شمعون الا أن أمر بوضع حجر أساس تمثال جديد، يعكس معنى الشهادة، والمقاومة، من دون بكاء أو نحيب، بل أن يكون مجبولاً بمعنى الانتصار والتحرر والأمل.
هكذا جيء بالنحات الايطالي مارينو مازاكوراتي، الشهير بصناعة تماثيل الحرية التي ثبتت في ساحات مدن ايطالية كثيرة بعد الحرب العالمية الثانية، مثل براما ونابولي وغيرهما، والذي صنع شكل امرأة تحمل مشعلاً بيدها، فيما تحتضن فتى باليد الأخرى، وعلى الأرض يستلقي شهيدان قريري العين، بعدما عادت روحهما إلى خالقها، هائنة مطمئنة.
مع بداية السبعينات، أطلق اللبنانيون المتحاربون النار على تمثال الشهداء، من ضمن الأشياء التي أطلقوا عليها النار: البشر، الشجر، الحيوانات، المباني.. كلها ذبحت على الهوية، وتساقطت جثثها من الطوابق العليا لمباني وسط المدينة وخطوط التماس، وأحرقت، ونفقت أو ذوبت بالأسيد وخبئت بقاياها بالكلس الأبيض.
تمثال الشهداء تمكن من الصمود، واحتجب لسنوات، قبل أن يعود مرمماً.
اللبنانيون ما انفكوا يغتنمون كل فرصة للتجمهر في الساحة، حول التمثال. مع اغتيال رئيس، أو استفحال الحكم الاستخباراتي الجائر، مع تغيّر موازين القوى في المنطقة، ونزق بوش أو هيلاري أو أوباما، مع تبدل الأولويات في طهران ودمشق وباريس ونيويورك، والضاحية وقريطم، مع تحول حزب الموالاة إلى حزب المعارضة، وتحول حزب المعارضة إلى حزب الموالاة.. كلما «ضاق خلق» زعماء المشهد السياسي في لبنان، «أمراء الطوائف»، أرسلوا جنودهم إلى الساحة لكي يصرخوا ويخوّنوا ويخطبوا عن الحرية. لكن الحرية «مطاطة» و«مثقوبة» في لبنان، والجعجعة من الطحين المسموم. فما الفائدة؟ لماذا كل هذا الضجيج؟
تمثال مازاكوراتي يستغيث: ابتعدوا عني!