الرجل المخيف على باب الجامعة لن يكون في مكانه بعد الآن. اختفى. ثمة آخر يرد تحية الصباح، حين تلقيها عليه، يبتسم، وقد يسألك عن الحال والأحوال. ليس تابعا لجهاز أمن الدولة، لوزارة الداخلية. لن يحمل عصا في وجهك، ولا سكينا، ولا سيفا، ولا قنبلة، اذا لزم الأمر. لن يهينك، ولا يشتم اباك ولا أمك ولا «سليلتك». لن يكتب التقارير المزورة عنك ويرفعها إلى رؤسائه المزورين، ليرفعوها بالمقابل إلى رؤسائهم المزورين، الى الوزير المزور، إلى رئيس الوزراء المزور، الى الرئيس المزور. لن يدس اسمك في جمهورية الفساد والتزوير. أنت طالب آداب، تاريخ، حقوق، هندسة.. أنت بريء كما الأمل، جميل كما الحلم، طموح كما الخيال.. طالب جامعة لا يجب ان تغطس في برميل الفساد النتن.

هذا الحارس الجديد، المدني، الذي يقوم بوظيفة حماية الجامعة من المتطفلين، يعرف تماما أن الطالب الذي يعبر عن رأي مخالف لمدير الجامعة، أو أستاذ السياسة، أو بائع الكافيتيريا، او المسؤول عن زهور الحديقة.. فهو لن يجد نفسه رهن التحقيق، أو في معتقل، بعد أيام، كون افكاره «تهدد الأمن القومي» وآراءه تتناغم مع مخططات «تنظيم القاعدة في بلاد الحجاز»!

الحارس الجديد لن يساعد ابناء الأثرياء، «الاكابر» الذين يدسون الرشاوى في جيوبه، وجيوب زملائه في حلقة الفساد في الكلية، لكي تصل إليهم حبوب الهلوسة، والمخدرات، يتعاطونها في الحمامات، حين تلح الحاجة أو يلح المزاج. وهو بالطبع، لن يلفق شهادات مزورة عن الطالبات العفيفات اللواتي تمنعن عن أولئك الطلبة الفاسدين، فواجهن، أو واجهت بنات من عوائهن، فجأة، تهما ومحاضر شرطة عنوانها «الآداب العامة».

طاقم الحرس الجامعي، الذي هو في واقع الأمر طاقم للتجسس على شباب الجامعات وأفكارهم وأحلامهم، الذي حوّل، على مدى أكثر من أربعة عقود مضت، عتبات الجامعات في مصر إلى أبواب الجحيم والذعر والقلق، والذي كان، في لحظة، بوسعه أن يتحول إلى سجان يعلق على قضبان الأسوار أقفالا من فولاذ.. لم يعد موجودا اليوم، واستعيض عنه بحرس مدني، اكثر آدمية وأقل توحشا، يليق بمهمته كحارس أمن صناع المستقبل، لا كابوسهم المحبط. انها احدى الخطوات الكثيرة التي تحسب لشباب ثورة مصر وبعض المسوؤلين المتجاوبين في الطاقم الحكومي الجديد، وهي من دون شك، ستكون تجربة ملهمة لجامعات أخرى في العالم العربي، لها وضع مشابه.

ولطالما كانت الجامعة هي مطبخ تكوين الأفكار المدنية التي تحمي مفاهيم المواطنة من سطوة «بلطجة» الانظمة الحاكمة الفاسدة، ولطالما تشكلت، من خلف أسوارها، خرائط كثيرة سياسية وثقافية واجتماعية للأوطان. لذلك، فإن التخلص من ارهاب حراس العتبات، السجانين، خطوة أولى هامة على طريق الاصلاح الشامل. مرة أخرى ومتجددة، شكرا شباب مصر.