«ليبيا تستغيث.. ليبيا تموت.. يا الله.. يا الله». تأتي كلماته عبر الصدى.

«بن علي هرب.. بن علي هرب». صدى من جديد.

«ما في خوف تاني.. ما فيش حزن تاني». صدى.

كلما استمعت إلى أصواتهم، ذلك الرجل الليبي، الذي التقطت له «الجزيرة» صوتا دخل التاريخ، كما صوت وصورة التونسي في الساحة الفارغة يتحدث إلى الناس في بيوتها، يخطب فيهم «يا شعب تونس العظيم»، لينبئهم بالخبر اليقين: «بن علي هرب.. بن علي هرب». وتلك السيدة من مصر، يأتي صوتها على خلفية الملايين المحتشدة في الساحات، مجبولا بدموع الفرح والدهشة، محمولا بالأمل بأن زمن الخوف ولّى والأيام المقبلة ستكون أيام الشعب لا النظام الجائر.

من هم هؤلاء؟ ماذا يفعلون الآن، في هذه اللحظة، أفكر، كلما سمعت نداءاتهم وصيحاتهم، في الفواصل التي تبثها القناة بين نشرتي أخبار. باتت عباراتهم عناوين مسجلة للثورة. حفظتها عن ظهر قلب. أتنقل في ممرات البيت فتخطر على بالي. أقف في وسط «الصالون» وأدور على نفسي، كحركة الكاميرا تلتقط الصورة في عتمة الليل فتبثها خضراء مغبشة، أنظر إلى الجدران، أتخيّلها مبان، نوافذ وشرفات. أرى سيدة تختلس النظر إليّ من خلف اللوحة، تجلس على كرسي في المطبخ، تأخر الوقت.

وهي كانت تنتظر متأخرا لم يأت بعد، ابنا أو زوجا أو حفيدا. ربما تظنني مجنونا، وأنا في ملابس النوم، أدور على نفسي. ذلك الرجل، بفانيلته، و«كرشه» المتهدل، يسحب الدخان من سيجارته وينفثه مجددا في الفضاء، ينظر اليّ ويبتسم، لا يبدو مشفقا، بل سعيدا، ومتضامنا، ولعله يعرف ما الذي سأبوح به، وأنا أدور على نفسي. وطفلة تفتش عن لعبتها، ولا تنام من دونها، فتبحث عنها على الشرفة، وتظن أنني، ذلك الرجل الذي في الساحة - الصالون، يدور على نفس، ما هو الا «المسحّر». لكن أمها لم تخبرها ان رمضان قد أتى، فلماذا أتى المسحر؟

«بن علي هرب.. بن علي هرب»، صوته- صوتي، يشق عتمة الليل. يبدو ان أحدا من الجيران، في الطابق السفلي قد انتبه، فعوازل الصوت بين الطوابق غير موجودة، هكذا أخبرني موظف في مكتب شركة المباني، حين زرته قبل أيام لكي أجدد عقد الإيجار. الجار، لا يعرف لماذا تنتابني هذه الحالة، بين حين وآخر، وها هو يحمل عصا مكنسة ويدق بها سقف بيته، غاضبا ومحذرا لي أنني إن لم أتوقف عن تلك الترهات، فقد يحضر الشرطة. فعلها قبل سنوات، حين اشتد صخب الحفلة.

«ما فيش خوف تاني.. ما فيش حزن تاني»، أقول لأمي عبر الهاتف، بعد أن أحرضها على أن ترتاح من هموم العائلة وتأتي لزيارتي. تضحك، تقول: «ها أنت تتحدث كما التلفاز».

لكن عبارة ذلك الليبي، صدى نداء استغاثته، عن ليبيا التي تموت وتحترق، حين يرفع الصوت متفجعا: يا الله، يا الله.. تأتيني في النوم، فزعا أهب وأستغفر. المجزرة حاصلة. المجزرة دامية. الصوت ليس شعارا هذه المرة. الصوت ليس نبأ هذه المرة. الصوت ليس أملا هذه المرة. مفزع. موت. فناء.