كان الشاعر الصيني يلقي قصيدته بلغته الأم، فيما سكون يخيّم على قاعة «ندوة الثقافة والفنون» مساء الأربعاء في دبي. أجزم أن لا أحدا من الحاضرين يفقه اللغة الصينية، لكن شيئا ما، كان يجعلهم يتبعون القراءة بانصات بالغ، كمن يتبع نورا في دهليز طويل معتم. ثم ينداح النور، وتأتي الترجمة الفورية، بالانجليزية، مباشرة، على المسرح، وبالعربية، فوريا، عبر السماعات.

قليلة هي الفرص التي تتاح لك لكي تنهل من فضاءات ابداعية، تتنقل، بتلك الرشاقة وذلك اليسر، بين الشرق والغرب، وتحت سقف واحد. «مهرجان طيران الإمارات للآداب»، الذي احتفى قبل أيام باطلاق دورته الثالثة، بليلة شعرية، يتيح واحدة من تلك الفرص.

على المقعد ذاته، الجلدي الذي يميل الى أزرق داكن، كان الشعر يفيض عليّ، والجمهور، من حناجر صينية وبريطانية وفرنسية، وبلغات عربية وانجليزية واسبانية وصينية. على المقعد، في مواجهة قرى نائية في الريف الانجليزي، ومراهق يقيس مع صديقه «قوة الصوت»، فيقف على التلة، ويصرخ له الصديق من الشارع، فيرفع يده من بعيد أن صوته قد وصل، وهكذا الى أن يكتشف الاثنان الحجم الحقيقي للفجوة التي تتوقف فيها موجات الصوت عن الارتداد. تلك كانت قصيدة البريطاني سايمون ارميتاج، الذي فاجأ الجمهور بحسه المرهف الممزوج بسخرية مرة، لا تبتعد عنها الفكاهة. كان يهمس بشعره، وكانوا في مرات يضحكون، ليأخذهم في أبيات أخرى الى أحزان أخرى بعيدا عن البهجة.

كان يانغ ليان قد تحدث قبله عن قسوة الحزن. الصيني، المنفي من بلاده بعد انتقاده اطلاق الرصاص على صدور المحتجين في ساحة تينانمين، ما عرف بمجزرة ساحة بكين في العام 1989، كان قادرا على ايصال احساس القسوة الباردة، التي هي فعل القتل، من دون الحاجة الى الترجمة، وبمجرد الاعلان عن عنوانها: ذا كيلينغ. كانت روحي تحلّق في سماء ليبيا، بينما صوت يشدني، بلغة لا أفقهها، الى المقعد الأزرق: رصاص.. خوف.. رقبات تنحني وتتكسر.. لملمت من مفردات ليان أشباح خيالاتي وانتظرت شاعرا آخر. ظهرت ناتالي هاندل، الأميركية ذات الأصول اللاتينية الفلسطينية، تكتب الشعر والقصة والمقالة الصحافية، بلغات مختلفة، وفي أمكنة مختلفة. ظهرت واثقة، قوية الطلة، لم تلق التحية في البدء، ارادتها قصيدة مباشرة، ثم حيت الجمهور. لهاندل تلك القدرة على كتابة شعر فيه من دفق العاطفة وقوة الفكرة، والمنطق. في حنينها الى أصولها وأمجاد لحضارة زائلة في الاندلس، تقارب مواضيع شائكة، مثل الهجرة، والهوية والعنصرية والجهل والتجاهل: نشأت في نيويورك، حيث الناس تخلط بين فلسطين وباكستان.

وعلى المقعد، ذات المقعد، في «مهرجان الأدب»، قد لا تتوقع من يزورك. وقد تأتي روبي. في قصيدة ظاعن شاهين، تختال المغنية السمراء ومغنيات أخريات مثل أليسا ونانسي، مفردات واقعية لحياة يعيشها الملايين في العالم العربي. هنّ حسناوات الزمن، أو نجماته الشعبيات، وعندهن تغير الفلسفة مسارها، ويقف الفكر متأملا طريقه الغامض، وتحمل المرحلة عنوان «الترفيه» الضخم: يا البرتقالة!

على المقعد الساحر، يطير الشعر بي الى عوالم وأحاسيس، فأشعر به مقعدا طائرا لفرط رشاقة الحس وجماله!