لا يعي ما الذي حصل. في غفلة وجد نفسه على الحدود التونسية الليبية. نقلوه من المصنع، في حافلة، تكدس فيها العمال، كما لو كانوا قطع سردين في علبة. كتلك التي كان يشتريها من كافيتيريا معسكر العمال القريب من المصنع: «سردين تنارة، أجود أنوع السردين الليبي، فخر الجماهيرية»، كان يقرأ على العلبة الخضراء والزرقاء، قبل أن يفتحها، ويعزم أصدقاؤه لمشاركته وجبة الغداء.

كان يحب ان يشاركه عيد الطعام، فهو أقدم صديق له في المصنع، التقى أول مرة منتصف التسعينيات، واستمرت صداقتهما حتى ذلك اليوم المشؤوم الذي انقلبت فيه الحافلة التي كانت تقل أبناء قرية أبو زعبل في القليوبية في مصر الى مصنع الحديد والصلب في مصراطة. وصف له أحد الناجين فيما بعد هول الحادثة:

 كنا أكثر من خمسين، قضينا يومين داخل الحدود المصرية، كان الجميع سعيدا بالفرصة التي سنحت له بالعمل في مشروع صيانة المصنع لمدة شهر لقاء خمسة آلاف جنيه. قال عيد: سأشتري للعيال ملابس العيد والباقي يعيننا على مصاريف رمضان المقبل. قال رضا: يا حلاوة يا جدعان، أنا مش مصدق نفسي، بقالي بستنى الفرصة دي تلات سنين..

حلم العمال المصريون، الذين اعتاد مصنع مصراطة، على تشغيلهم، بشكل مداوم ومتقطع، بانقضاء مهمتهم والعودة الى «أبو زعبل». الى «أم القطن»، كما يسميها أهاليها، فزعبل هو، في الأساس، اسم القطن، والقرية، التي قصفت الطائرات الاسرائيلية معمل الصلب فيها في العام 1967، صدرت أبناءها الى مصراطة الليبية، بآمال جمع الرزق والعودة. يكمل موسى لابراهيم: «والله يا ابن عمي، انا شفت عيد آخر مرة بيضحك. كان الدنيا مش سايعاه من الفرحة انهم استدعوه تاني»!

كان عيد قد عمل مع اسماعيل في مصراطة، منتصف التسعينيات، الا انه تقاعد مبكرا عن العمل، وحصل على راتب اتضح انه لا يمكن أن يقيه شرور الزمن وكثرة متطلبات العائلة. كان قد ودّع اسماعيل، وتندرا سوية على ما سيخلفه من اشتياق الى أوقات «سردين تنارة»، لتمضي شهور ثلاثة، ويعاود ارسال «جوابات» إلى صديقه الذي بقي في مصراطة يسأله التوسط لدى «المعلم» لكي يقبل بعودته وكسر التقاعد.

   حاول اسماعيل أن يأتي بعيد مرة أخرى الى المصنع، لكنه لم يوفق، وفي كل مرة، كان يصطدم بحجة جديدة: لا نحتاج خبرته الآن، لينتظر ثلاث سنوات أخرى.. الى أن تمكن عيد من أن ينضم الى «طلبية» العمال الذين قطعوا الحدود في «أتوبيس الدلتا» في يوم مخنوق من أيام صيف العام .2008 كان عيد قد بلغ الخمسين من عمره في السنة ذاتها، وحين انقلبت الحافلة اربع مرات على الطريق الصحراوي، لم يتمكن من النجاة. نقلوه الى مستشفى «حوادث أبو سليم» مبتور اليد، نازف الدماغ. بقي يومين، زاره اسماعيل، بكى، ذكره بالسردين، أمسك يده، فارق الحياة. رافق جثته الى القليوبية.

في الحا فلة التي نقلت اسماعيل الى الحدود الليبية التونسية، تذكر صديقه عيد، ترحم عليه، فيما كانت مصراطة تقصف بدبابات كتائب القذافي. قال: رحمك الله، لم تعش لكي ترى المصنع مهجورا و«تتبهدل البهدلة..دي»!