لطالما سمعت سناء عن أشباح «بئر ماطوس». كبرت ابنة مصراطة والنسوة في حيها، لا يتوقفن، كلما سنحت المناسبة، عن رواية حكايات تلك «الأشباح التي تصعد في الليالي المقمرة من تحت الأرض، في البقعة التي يقال أنها تخفي بئرا عتيقة، كانت أهالي من عائلة ماطوس يخزنون فيها ماء الأمطار، فإذا بها تخزن جثثهم، المذبوحة على يد جنود الفاشية الايطالية». وتمضي الحكاية: «وفي شهر، حين يكتمل البدر، ويلمع فوق موقع البيت نجم خفي، وتتنامى إلى الأسماع أصداء ترنيمات حزينة تأتي من مكان غامض، مترافقة مع قرع أجراس، تخرج أشباح الأطفال أولاً، ترش زهر الريحان على أسطح مصراطة، ثم تتبعها أشباح النساء، يلملمن الأخبار الحزينة عن عتبات البيوت ويمنعن وصولها إلى أصحابها وتحققها، ثم تحلق أشباح رجال البئر، وتلك تفزع الشرير وتثلج قلب الطيّب وتفرج كرب المهموم»..
كبرت سناء على تلك الحكايات التي امتزج فيها الواقع مع الخيال، وحين ذهبت إلى الجامعة، وفاتحت زميلاتها بما تعرفه من حكايات البئر، تفاجأت بمشاركتهن لها حكايات جديدة لم تسمع عنها من قبل: إحدى الضحايا الثمانية والثلاثين الذين قتلهم الطليان كانت شيخة حجت إلى بيت الله، وقيل إن «الحجاب كان مكشوفا عنها وأنها أنبأت اقاربها وجيرانها في البيوت الثلاثة التي تمركزوا فيها في ليلة شهر رجب تلك أن صوراً دامية تتراءى لها، وأن رؤى مفزعة عن البئر الذي تنضح منه الدماء تهاجمها باستمرار. أغلقت الشيخة سمية عينيها وصاحت: أعوذ بالله، يا خوي، يا اخوتي، البئر فيه دم..». روت زميلات سناء لها أن شبح الشيخة لا يزال، يظهر في أحياء المدينة، كلما اقترب منها خطر، ونفخ الشؤم في فضائها.
«أينك يا شيخة سمية؟ لقد هاجمت كتائب القذافي المدينة وقتلت أطفالها وشبانها. أطلق على صدورهم النيران، كما فعل جنود الفاشية قبل 93 سنة.. لماذا لم تطرقي بيديك على خزانات السطوح محذرة من الموت القادم، لماذا لم يلمع نجمكم يا أشباح بئر حوش ماطوس».. أسرت لنفسها، فيما دموعها تنهمر حارة، حارقة، وهي تستمع الى روايات أولادها المراهقين عن رائحة البارود الفائحة في المدينة، وعمن قتل ومن نجا ومن أنقذته العناية الإلهية من الموت. استغفرت ربها سريعا وصلت ركعتين، ودعت بالنصرة للثوار، وبأن «تنهد عزيمة المجرم وكتائبه». جلست على طرف الكنبة، التي أزاحتها من مكانها لكي تسد بها مخرج البيت، مانعة أولادها من معاودة النزول إلى الشارع، وعادت بذاكرتها إلى أيام خلت.
كانت طفلة لم تتجاوز العاشرة حين الحت على أمها أن تأخذها معها إلى البئر. كانت الأم قد اتفقت مع جاراتها ونساء من الحي المجاور أن يرتحلن ذات ليلة مقمرة إلى موقع البئر، ليقرأن الفاتحة على ضحايا مجزرة الطليان، ويرمين السلام على روح الشيخة سمية تحديداً. ذكريات ضبابية تضرب ذاكرتها: سيدة تبكي فيما تستعيد حكاية المجزرة: «.. احرقوا جثثهم ورموها في البئر وأقفلوا عليهم بطبقة من الاسمنت».
بكت سناء مجددا، تنهدت. اختلط عليها الواقع بالخيال. مجازر الماضي حقيقة، الأشباح خيال، المستعمر حقيقة، المجاهدون حقيقة، أن يقتل قائد شعبه شيء كما الخيال، لكنه حقيقة، الثوار حقيقة، النجمة المشعة خيال.. لكنها نظرت إلى السماء تبحث عنها!