أيوب ليس على ما يرام. كيف يكون، وابن أبو طالب، الرضيع، قد قتل أمس بشظايا القصف الجوي على المدينة؟ عاش ما يزيد عن ستة عقود في مصراطة، لكنه لم يختبر ليلة كليلة أمس الجحيمية. كانت السماء تبرق كل دقيقة بنيران كتائب العقيد القذافي، ونيران الثوار المضادة. لم يقو على مغادرة البيت طوال الأيام الخمسة الماضية. ليس بسبب خوفه من التعرض لرصاصة قنص أو شظية قذيفة أو حجر يسقط على رأسه الذي خلا، مع الأيام التي قضاها تحت شمس الصحراء الحارقة، من الشعر. ليس لأن أيوب خائفا فقط، ما جعله شبه مشلول عن الحركة، بل هو الحزن. قبل اسبوعين، حين أغارت الطائرات للمرة الأولى على المدينة، انتابته حالة هلع، وهاجمته الكوابيس التي صورت له شوارع المدينة التي لم يحب غيرها، جرداء قاحلة، مبانيها منقلبة على رؤوسها، وجدرانها متهاوية كآثار رومانية قديمة.

لكن رؤية الآثار في كوابيسه لم تولد لديه تلك البهجة التي اعتادت أن تنتابه في مواقع التنقيب عن الآثار التي قضى فيها جل حياته في مصراطة. حين ينزاح الرمل عن عملات معدنية من عهد الفينيقيين أو الرومان، أو تظهر تحت الكثبان أنفاق من العصور الغابرة، أو آثار تعود الى العصور الأولى للإسلام.. كان في كل مرة يصرخ مهللا، ويقبّل أقرب شخص صودف وجوده الى جانبه في موقع التنقيب. يرمي قبلته على جبنيه فيما يصيح بالاسم القديم للمدينة: تحيا ثوباكتس، الجميلة تكشف لنا عن أسرارها. هكذا قبّل أيوب علماء آثار لهم مكانتهم العالمية، مثل الانجليزية ألوين برجا. تدمع عيناه وهو يستعيد تلك اللحظة البعيدة جدا من مطلع السبعينيات:« ثوباكتس تكشف عن حصنها، انها ترشدنا يا الوين الى أسرار الحضارات الأولى العظيمة. هذا الطوب يؤكد على وجود سور تحصين، من الضروري أنه يخص المدينة العتيقة. أرأيت؟ قلت لك مدينتنا محصنة منذ فجر التاريخ وستظل كذلك الى الأبد»!

لكن مصراطة لم تبق كذلك. قصفها «قائد البلاد». خرّب شوارعها التي لطالما تباهى بها أهل الشرق والغرب. كان السواح يأتون اليها بحثا عن التاريخ والحكايات والأساطير. يقتفون، مزودين بالخرائط، آثار موقع الميناء القديم «كيفالي برومنتوريوم»، حيث الحمامات القديمة، أسفل المنارة. تلك منطقة «قصر أحمد» التي عمل فيها شابا يافعا قبل اربعة عقود، وصادق محمد الذي زوجه أخته أم العيال. ليس هذا الموقع فقط، في كل زاوية من المدينة له ذكرى. غربا، عند مرفأ زريق، في المنطقة المسماة «شط الحمام»، كان منهمكا في أعمال الحفر حين وصل اليه نبأ ولادة حفيده الأول مطلع التسعينيات. سموه الزاجل تيمنا باسم تلك البؤرة التي احبها وكشفت رمالها عن لوحات فسيفسائية وأعمدة حجرية ورخامية رائعة.

اليوم عرف من جاره أن 18 شخصا على الأقل ماتوا في القصف على المدينة، بينهم عدد من الثوار والمدنيين. للمرة الأولى يشعر أنه لم يعد يأبه للحجر. موت البشر، ناس مدينته، أدمى قلبه وشلّ الطفل في داخله الذي لطالما تنطط على آثار الفينيقيين وحجارة الرومان:« البشر الى زوال، يخطفهم التاريخ أو يقتلهم القائد»، قال وبكى!