يهوى معمر القذافي أن يكون «أفريقياً» فقط. وعلى مدى السنوات الماضية قام بعدة إجراءات تأكيداً على هوية ليبيا الأفريقية، في الوقت الذي نظر فيه كثر، في العالم العربي، نظرة ريبة إلى تلك المحاولات، ووجدوا فيها محاولة لسلخ أحد أكبر البلاد العربية، وأكثرها موارد اقتصادية، عن محيطها العربي. هذا كلام قد يكون معروفاً، وخارج السياق المستجد للأحداث. سياق سفكت فيه دماء أكثر من سبعة آلاف مدني (بحسب التقارير غير النهائية) وتشرد فيه مئات الآلاف في الفلاء الصحراوي. لكنها توطئة قد تمهد لاستعادة طريفة لتاريخ الملوك، بحسب الطقوس الأفريقية، التي يهوى القذافي نسب نفسه إلى أجوائها. طقوس لو كان العقيد صادقاً تماماً بإيمانه بها، لأفضى به المطاف إلى عزل نفسه بنفسه، بل وإعدام نفسه.
يذكر كتاب «الأمم الزنجية والثقافة» للشيخ عنتا ديوب، وهو من الكتب التي تعتبر مرجعاً أساسياً لأي دارس في تاريخ وانتروبولجيا وثقافة أفريقيا، ان الملك لا يستطيع أن يحكم إلا في ذروة قوته، وإلا فإنه يواجه مصير الإعدام، إذ «يجب أن تكون شخصية الملك (الأفريقي) حائزة على القدر الأكبر من القوة الحيوية، وعندما ينخفض مستوى القوة الحيوية دون حد أدنى معيّن.. وفي حال ظل في سدة الحكم، فإنه يعرّض شعبه للخطر».
أما معيار الحيوية المراعى في طقوس الملكية في أفريقيا، فلا يعني، بالتأكيد تلك الحيوية التي ظهر عليها القذافي وهو يحمل مظلة تقيه من زخات المطر في عربة «التوك توك»، قبل أسبوعين، ولا تلك الحيوية التي مكنته من اختراع عبارته الشهيرة عن الزحف المقدس الذي سيطهر «ليبيا من الجرذان، فرداً فرداً، بيتاً بيتاً، زنقة زنقة..»، ولا أيضاً تلك الحيوية التي تبدت عليه وهو يلوح بقبضة النصر لثلة من الحرس وعناصر الأمن الذين ألبسهم ثياباً مدنية ليحملوا صوره ويلوحوا له بلافتات الانصياع والتمنيات بطول العمر والحكم، على غرار ما قاله لمراسلة «أي بي سي» من أن شعبه يحبه ويدافع عنه (ما بيبول لاف مي، قالها بانجليزية رديئة).. ليست هي الحيوية التي تشترط أن يبقى الملك الأفريقي ملكاً، وراعياً لشؤون شعبه. يحدد ديوب مفهوم الحيوية بأن «خصوبة التربة ووفرة المحاصيل وصحة الشعب والمواشي والسير الطبيعي لكل الأحداث ولكل مظاهر الحياة هي عوامل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقوة الملك الحيوية».
وإذا ما قمنا بقياس تلك الاشتراطات، واسقاطها من زمن غابر، على الزمن الحالي، سنجد أن «الملك» فاقد تماماً للقوة، فشعبه، الذي يقصف بالمدفعية، ليس آمناً بالمرة، وخيره، المنهوب أصلاً، متوقف عن الانتاج (النفط ومرافق أخرى)، ومواشيه ليست هي المذبوحة، بل الأطفال والنساء، وبوسع أي مراقب أن يعرف أن الأحداث لا تمشي في سيرها الطبيعي.
من هنا، وإذا كان القذافي مولعاً بالتقاليد الأفريقية، ووفياً لها، كما كان يدعي طوال السنوات الماضية، فلماذا لا يحكم على نفسه، بالمصير ذاته الذي تبناه ملوك أفريقيا القدماء، وهو أن يقبل بحكم الإعدام؟ فملك ملوك أفريقيا، لا يزال متمسكاً بمكانته، حتى لو كان الثمن «آخر انسان ليبي»، كما قال!