البنغالي الحزين على الحدود الليبية التونسية ينتظر أن تفتح له البوابة. ينتظر طحينا، خبزا، كسرة بسكويت، ماء، قطعة قماش تقيه برد الصحراء الذي يتسرب ليلا الى العظام، فيقيم فيها الى الأبد

 

. لكن لا شيء يأتيه مما ينتظره، سينتظر طويلا الإعانة، وربما لن تأتيه، فهو من جنسية لا يعتقد العالم أنها «الأولوية» بالنسبة الى الاعانات الطارئة لملايين العمال الهاربين من جحيم نظام معمر القذافي

 

. القائد الذي وعد العالم بـ«زحف مقدس» من الشرق والغرب، دفاعا عن خيمته، فإذا بالزحف كله، هروبا، نحو الفلاء.

 

البنغالي الحزين يتحرق ليوجه نداء الى حكومته، التي لا حيلة لها لإنقاذ فقرائها، فيما هي، لطرافة الأمر، مشغولة بطرد صاحب «مصرف الفقراء» لديها من منصبه

 

. محمد يونس، الحائز على نوبل لابتداعه فكرة القروض الميسرة، العامل في البنك المركزي، يطرد، بسبب فيلم وثائقي نرويجي لمّح الى امكانية تهربه من الضرائب.

 

شيوخ بنغلاديش وشيخاتها مشغولون اذا بمحاسبة «نصير الفقراء»، فيما الفقراء على الحدود الليبية التونسية يلعنون بلادهم وحكومتهم وجنسيتهم

 

. الجنسية التي، في «الجحيم»، لا تساوي شيئا.

محمد اصلان من جيسور في بنغلاديش. تحدث الى الصحافة، باسم العمال المحتشدين خلفه. قال ان كونهم من مواليد بنغلايدش هو أكبر بلاء لهم

 

. وأضاف باللغة الانجليزية: انها مأساة حياتنا أننا ولدنا في بنغلاديش.. لم يحضر أحد من حكومة بنغلاديش ويسألنا ما هو وضعنا.. أو كيف يمكن أن نسافر أو يحضروا معهم المساعدة.

 

الأرواح من بنغلاديش تهيم في عذابات الصحراء المقفرة ولا أحد يسأل عنها. منظمات الاغاثة الدولية منهكة، وعقبات وصول الامدادات برا، في ظل شلل مطار طرابلس، تفاقم الوضع صعوبة.

 

موظفون وعمال من جنسيات أخرى تمكنوا في هذه الأثناء من الوصول الى غرف نومهم الهانئة، الدافئة، ليرقدوا مع عوائلهم، ويرووا الحكايات المفزعة عما رأوه في طريق العودة

 

. العائدون الى لندن وباريس وروما واسطنبول وكاراكاس ودول شرق أوروبا، حملوا أموالهم وبعضا من حاجياتهم، وربما ألبومات صور زوجاتهم يتنزهن في حدائق مجمعات النفط السكنية، التي انشأها «ملك ملوك افريقيا»، وربما بعضا من العاب أطفالهم

 

. في الوقت ذاته، ينتاب الفزع ملايين من زوجات وأمهات فئة أخرى من العمال، جنس آخر، من مصر وبنغلاديش، لا يعرفن شيئا عن مصيرهم، وعن امكانية عودتهم سالمين من جحيم الحدود.

 

البنغالي الحزين، حمل قروشه في جيبه، لكن عناصر من القوات الليبية، ممن وصفهم القذافي بأنهم سيموتون فداء له، لم يتوانوا عن سرقة تلك القروش، مقابل اخلاء سبيل البنغالي، وتمكينه من الوصول الى الحدود. يقول أحد العمال بعربية مكسرة لمراسل «الجزيرة»

 

: «علي بابا ضربني.. علي بابا اخد فلوسي..». وعلي بابا هو اللفظ الذي يستخدمه البنغالي لكي يصف اللص.

 

وفي البدء، كان الاستعمار ونهب مقدرات الشعوب، وناس من ذهب وناس من «تنك»، ولاجئون خمس نجوم يأكلون البسكويت، ولاجئون يأكلون التراب. وفي البدء، كان علي بابا يحكم العالم ويعيّن الأربعين حراميا لكي يسرقوا الفقراء!