الشعب المصري لا يحتاج إلى جائزة نوبل لكي يضفي مشروعية على الإنجاز الذي حققه، بتغيير تاريخ الأحداث في بلاده وبلاد العرب والعالم. ولو كنت في مكان المجلس المصري للشؤون الخارجية، لفكرت مرتين قبل أن أوجه رسالة إلى اللجنة النرويجية للجائزة، مطالباً بترشيح شعب مصر وثورته للحصول على نوبل، كما نقلت الأنباء الأسبوع الماضي.
فهل يعقل أن يتساوى الشعب المصري وثورة يناير، التي بذلت في سبيلها دماء الشباب الغالية، مع سفاح الأطفال وسافك الدماء شمعون بيريز الذي يحمل الجائزة ذاتها؟ بيريز، ونظامه لا يشبه الشعب المصري في شيء، بل إنه يكره هذا الشعب، بدليل الحروب التي خاضتها «إسرائيل» ضده، وآلاف المصريين الذين دفنوا في الصحراء بسبب الوحشية الإسرائيلية، وهو لا يكترث إلا لشيء واحد في مصر: الغاز وضمان أمن إسرائيل. لذلك لا يمكن أن يصبح الجلاد والضحية، القاتل والمقتول، في خانة واحدة، حتى لو كان لها عنوانا براقا اسمه «شرعية نوبل».
لنتريث قليلا، ونفكر مرة واحدة، بعيداً عن اللمعان الذي لا يعني أنه يخفي «ذهبا»، فتلك الجائزة لا تتوافق، دوما، مع عنوانها، وآخر الأدلة أن باراك أوباما، الرئيس الأميركي، حين نالها، لم يكن قد أغلق بعد معتقل غواتنامو، ولم يكن قد جمّد بعد الاستيطان الاسرائيلي الذي يشرد أطفالا ومسني فلسطين كل ليلة وكل نهار، كما وعد في بداية توليه مقاليد الرئاسة، ولن يفعل. اذن، معايير نوبل، ليست واضحة، بل تكاد تكون مسيّسة، ودبلوماسية على طريقة الجوائز التي تمنح في مهرجاناتنا العربية.
هذا لا يعني أن نوبل لا تتغير، وأن المسؤولين فيها غير واعين لأخطائهم، فبعد منح بيريز الجائزة، شنت اسرائيل حربا على أهل غزة قتلت فيها، بأسلحة الدمار المحظورة، مئات الأطفال والشيوخ والنساء، الأمر الذي دفع أحد أعضاء اللجنة بالتصريح أن «بعض الأعضاء يشعرون بالخزي لمنح الجائزة لبيريز»، على ما نقلت «الجزيرة» بتاريخ التاسع من يناير .2009 حتى الاسرائيلي مردخاي فعنونو، الملقب بـ«كاشف الأسرار النووية الإسرائيلية».
والذي قضى 18 عاما في سجون بلاده بتهمة الخيانة وتسريب معلومات عن برنامج اسرائيل النووي، رفض ترشيحه للجائزة، مؤكدا أنه لا يتساوى ببيريز، الذي قصف ملجأ للأمم المتحدة في قرية قانا في جنوب لبنان في العام 1996، ما أدى الى قتل مئة مدني أعزل، معظمهم من الأطفال والنساء.
لنتريث قليلا لنعرف ما اذا كان المشرفون على نوبل يتحلّون بالشجاعة الكافية لكي يمنحوها هذا العام الى ناشط السلام اليهودي اوري افنري صاحب منظمة «جي ستريت» اليهودية الأميركية المعارضة للسياسة الاسرائيلية، والذي تخوض الحكومة الاسرائيلية بسبب ترشيحه هجوما شرسا ضد اللجنة، بحسب تحليل صحيفة «هآرتس»: «في حال منح أوري الجائزة فإن اسرائيل ستتخذ موقفا معاديا للقائمين على الجائزة لتأييدهم أفكار منظمته الرافضة للاستيطان واحتلال القدس والضفة، والتي عارضت الفيتو الأميركي لتجميد الاستيطان».
ثورة مصر لا تحتاج إلى نوبل لكي تحصل على شرعيتها وشهرتها، لقد حصلت عليهما، بالمجد والدم!