شباب الثورة لا يصرخ، فقط. لا يمتطي لافتات الزعماء لكي يسقطها ممعنا فيها تهشيما وتكسيرا، شيئا من شروخات وندوب تعتري قلبه وفكره وأحلامه.. شباب الثورة لا يعترضون فقط، ولا ينشطون في ميدان التحرير والساحة الخضراء وشارع الحبيب بورقيبة.

ومنتديات الشات ومساحات الفيس بوك وتويتر، فقط. إنهم في كل مكان، ينظمون أنفسهم، يسابقون علامات الاستفهام والتعجب، والدعوات المستهجنة، والآراء المتوجسة، والأفكار المستشرفة، لكي يفرضوا أمر الواقع عليها جميعا: إنهم قادرون على أن يبنوا مؤسسات بديلة «مؤقتة»، حين يستدعي الأمر. وحين يصبح تعاطف الدول مع ثورتهم، ودمائهم المسفوكة، مرتهنا بالخوف على «المؤسسات الوطنية». أي مؤسسات دولة في ليبيا بوسعنا أن نتحدث عنها في الأساس؟

انها غير موجودة، أصلا، والبلد، المغطى طوال عقود بخيمة لا يتسرب منها خير ولا مطر ولا فرح، تبيّن أنه أشبه بالمزرعة التي يحرثها شخص واحد، لم يكن أحد يجرؤ على انتقاد ملابسه الغريبة (يسمونه بالانجليزي الفاشينيستا) ولا كتيبة النساء ، زائغات العيون، ثقيلات الحركة، المحاطة به، طوال الوقت.

تدمير «المؤسسات» التي يتم السؤال عن غيابها اليوم، بدهشة من استفاق من نوم الكهف، يتحمل مسؤوليته المسؤول عن مصير البلاد وناسها، لا الناس أنفسهم. ومحاولة التغطية على القمع والنهب والقتل، باستحضار فزاعات المصير المجهول، المتلون تارة بسواد الارهاب.

وتارة أخرى بوباء الجهل، ودائما، بتلك العبارة فيلاالفاشيةلالا: الشعب غير مهيأ للحكم الديمقراطي.. تلك المحاولات، التي تهدف في الواقع الى التشويش، بل قتل روح العزيمة التي انطلقت من صدور الشباب العربي، شعلة تنير دروب الجغرافيا المعتمة، وفصول التاريخ المظلمة، قد سقطت تحت أقدام الوعي الهائل الذي أعرب عنه الشباب، والحنكة التي أظهروها للدفاع عن ثورتهم والحصول على مكتسباتها.

ومن أبسط الصور، الى أشدها التعقيدا، تعكس تحركاتهم ومواقفهم هذا الوعي، المدعم بالانفتاح على تجارب العالم، واستخدام أدواته الحديثة المؤثرة. ومن شاب في بنغازي يتجند للدفاع عن «البنية التحتية» في حيه، الى صبية في القاهرة تصرف أيامها على تعزيز روح الأمل في الأحياء الشعبية وتحريض أهاليها على مزيد من المشاركة المجتمعية .

وعدم العودة الى انكفاء الاحباط وفقدان الأمل، والمجموعات التي تتحرك في تونس من أجل فيلاتنقيةط التظاهرات من ذيول الفتنة التي تحركها أفاعي النظام البائد.. وبين أروقة الجمعيات الأهلية والحقوقية والمدارس والجامعات، مرورا بالمستشفيات والسجون، وصولا الى النوادي الابداعية والساحات، يمضي الشباب أيامهم من أجل الرد على الأسئلة الواهمة، والخبيثة، والمتشائمة، وفي البعض القليل منها فقط، المشروعة.

يقال إن الثورة تأكل أبناءها، وقد أثبتت تجارب قيل أنها «ثورية» في العالم العربي من قبل هذه المقولة، لكننا، وروح الشباب المنطلقة تعبر عنه وعي لا مثيل له، نقول هذه المرة ان الثورة لن تأكل أبناءها، فقد أشبعوها عزة وكرامة ومجدا!