لا أعرف كثيراً عن مالطا، وحين طالعت قبل شهور صورة لمينائها؛ مشمسة وزاهية الألوان، ساورتني رغبة في وضعها على لائحة العطلات الصيفية. ثم قادتني بعض الأبحاث على الإنترنت إلى تاريخ إسلامي للجزيرة، عملت على طمسه، منذ انهيار السلطنة العثمانية، بعد الحرب العالمية الأولى، في القرن الماضي، وإظهار الوجه المتشدد الآخر لـ«مسيحية» الجزيرة التاريخية وارتباطها بالغرب وثقافته، حصرياً.
كما أنني أعرف معلومات مشوشة عن تغلغل كبيرة لأجهزة الاستخبارات الغربية، ومن بينها الموساد، في الجزيرة المشرقة، على غرار جزر أخرى مثل قبرص، لكن لا شيء مؤكداً، وإنما، على عادة تلك التقارير، عناوين ملغزة، ومعلومات محاطة بالغموض.
ثم كان الخبر الأبرز الذي قرأته ذات يوم، وصنفته آنذاك في خانة «النكتة»، وتناول قضية «طائرة لوكيربي»، وهي الطائرة التي جرى إسقاطها فوق لوكيربي في العام 1988 وقتل بموجبها 250 شخصاً، وحكم في العام 2001 على الليبي عبدالباسط المقرحي بالسجن مدى الحياة بتهمة التفجير تلك، قبل أن يفرج عنه بطلب ليبي ووساطة بريطانية. كان الخبر يتحدث عن الأدلة التي اعتمد عليها فريق التحقيق للوصول إلى المقرحي، وهي طرف من ياقة قميص وجد في موقع التفجير، مكتوب عليه: «صنع في مالطا». ولم أفهم كيف يتفحم الركاب وينجو طرف قميص. ولا يتوقف «الأكشن» هنا، فالمحققون انتقلوا إلى مالطا ليقتفوا أثر القميص. وعلى غرار أفلام هوليوود، تمكنوا من الوصول إلى المحل الذي يبيع تلك العيّنة من القمصان. وللمزيد من التشويق يفيد البائع بأن الرجل الذي اشترى منه القميص قبل شهور(!) له ملامح ليبية. وتشويق على تشويق يؤكد البائع مطابقة هوية الرجل مع الصورة التي عرضها عليه المحققون. باقي التفاصيل يعرفها القراء، وهي تبدأ من حصار رهيب فرض على شعب ليبيا، الذي تقتله اليوم آلة الطغيان العسكرية، بسبب تلك الحادثة، و«فواتير» دفع ثمنها من سمعته ومقدراته وحياته.
لكن مالطا عادت لتضرب من جديد. وفي خضم الأحداث التي تجري في ليبيا، تصدرت مالطا بعض العناوين المهمة، من بينها هبوط طائرات ليبية في مدرجاتها، رفض قادتها الانصياع الى أوامر قصف أبناء جلدتهم، وطلبهم اللجوء السياسي في الجزيرة، وأيضا رفض السلطات المالطية استقبال إحدى بنات القذافي وإعادتها بالطائرة إلى ليبيا، لكن الأهم من ذلك كله هو الكشف أن مالطا هي ثاني أكبر مزوّد للسلاح للنظام الليبي، بعد إيطاليا (المستعمر القديم)، وقد بلغت فاتورتها ما يقارب 80 مليون يورو في العام 2009، بحسب تقرير سنوي نشره الاتحاد الأوروبي. هذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الأسلحة التي صوبت خلال الأيام الأخيرة الى صدور ورؤوس أطفال وشبان ليبيا الذين وصفهم «زعيمها» بالجرذان والمهلوسين، مصدرها مالطا.
وإذا ما تناولنا تصريحات كشف عنها أركان سابقون في نظام القذافي عن أنه هو من أعطى أوامر تفجير طائرة لوكيربي، بما يعنيه ذلك من مسؤوليته المباشرة عن المآسي التي عاشها الليبيون طيلة عقود بسبب هذه القضية، التي، للطرافة، قد وطدت علاقاته بالغرب أكثر، سنرسم علامات استفهام على قصة قميص مالطا وعلاقة الجزيرة الوطيدة بنظام القذافي. ثمة خيوط كثيرة لتلك العلاقة سيكشف عنها ويتضح أن لمالطا فصل من حكاية المأساة الليبية!