تحتاج كل ثورة إلى وجه. قائد. أيقونة ترفع يدها لتحيي الجماهير التي رحبت بالثورة وبذلت في مقابلها الغالي والنفيس. أيقونة ترسم على الملصقات، بعنوان أحمر، ونظرات ثاقبة توحي بسعة الأمل والإيمان بالمستقبل الأفضل، وبالطبع الانتصار المجيد. تضاف إلى كتب التاريخ، وقبلها الجرائد والتلفزة التي تذكر بتاريخ الثورات والشخصيات الثورية، حين تشتد الأحداث وتتلاحق التطورات أسرع من لمح البصر. أسرع من فوران الدم في جرح غائر، وانهمار الدموع من عيون حجب عنها الضوء، وأسرع من تصريح سياسي مدجج بالحيلة والتحايل وصورة إعلامية مزخرفة بالفوتوشب.. حين يتسارع نبض الثورة، لا يمكن أن يجاريه نبض آخر.

الأيقونة، في الظروف التقليدية للثورات التقليدية، تصبح ضرورة لكي تواكب ذلك النبض، تسيّره، وربما تتحكم فيه. هذا ما نعرفه. مكتوب في صفحات تحمل بورتريهات شخصية، صور مربعة، فيها تشي غيفارا وفيديل كاسترو ومارتن لوثر كينغ وجمال عبد الناصر وغيرهم كثر.. صورة بالأبيض والأسود، فذلك يعطي رونقا خاصا للثائر، أو ربما لأن الثورات توقفت فعليا من زمان، منذ أن أصبحت الكاميرا تظهر صورا ملونة، قبل أن تتحول إلى افتراضية. هذا ما نعرفه، أو، بشكل أدق، ما يعرفه الجيلين الذين سبقانا، نحن الثلاثينيين، عن شكل الثورة.

ما حدث في مصر، وقبلها في تونس، أربك الذين لا يعرفون غير تلك الوصفة للثورة. تشتتوا. تاهوا. بحثوا عن وجه، فوجدوا ملايين الوجوه. مشكلة: حين تواجه ملايين الوجوه يصعب عليك أن تجد مكانا لها في «الكادر» الذي صممته مسبقا لكي يوصل رسالة جاهزة.. مسبقة. يصعب عليك أن تخترع حكاية تربطها بوجه، مستعينا بشهود يؤكدون تلك الحكاية: هذا وجه مرتهن للخارج، جيرانه قالوا لنا كذلك. هذا وجه يعمل بأجندة «كنتاكي»: أصدقاؤه شاهدوه يفعل ذلك. هذا وجه غير محترم له تاريخ أسود من الانحطاط الأخلاقي: أمه شهدت على ذلك. حين تكون الوجوه فردية، محسوبة، يسهل رسم ملامح جديدة لها، عبر إعلام موجه يعرف جيدا كيف يشكل الوجوه ويخترع الأقنعة. ولكن حين نتحدث عن ملايين الوجوه، حين تصبح الأم والجار والأصدقاء جزءا من الوجوه نفسها، لا مجرد شهود، بل، ربما شهداء.. بوسعنا أن نصف الأمر بوجه الثورة.

ثم تعالت الصيحات: نريد وجها للثورة بأي ثمن. خطف وائل غنيم، مروج موقع «كلنا خالد سعيد»، تم التحقيق معه، عصبت عيناه طيلة أسبوعين، أوصله مسؤول كبير للبيت بنفسه، استضافته «دريم»، حكى، بكى، لكنه قال الكلام المفيد: أنا لست أيقونة. هذه ثورة مختلفة لا يمكنكم توليفها بذات الشعارات المتهالكة الراديكالية.. «افهموا بقى»!