ليست فلسطين ترنيمة قديمة، ولا هي احتكار لشعب دون الآخر. ولا هي محجة لأصحاب العواطف الهشة، ولا مشجب لأصحاب الأفكار الراديكالية. ولا هي موضة قديمة، ولا هي موضة أصلاً، لكنها قديمة. قدم الحكاية البشرية الأولى، عن التسلط والظلم والضحية والحق المهدور. عن قاتل ومقتول، متجبر ومجني عليه، ظالم ومظلوم. منذ أكثر من نصف قرن، وقضية فلسطين محور حياتنا، شئنا أم أبينا، وعينا أم لم نع، انتبهنا أم تلهينا. ليس السياق هنا مناسباً لكي نعاود رص الكلمات، عن كل الأزمات التي حدثت منذ احتلال ذلك البلد الذي كان هانئاً مطمئناً، تفوح فيه رائحة الزيت والزيتون والبرتقال، ويذهب أبناء فيه إلى السينما، حين لم تكن مدن كثيرة في الغرب تعرف ما هي السينما. وقد سالت طوفانات الأحبار، وتكدست غابات من الورق، في الحديث عن «القضية الفلسطينية». بحت حناجر منظّرين وشعراء ومتظاهرين، وسالت دماء في فلسطين، وحولها، وعنها، وإليها.
وبسببها اشتعلت حروب، واشتهرت زعامات، واقتتلت أحزاب وفرق، وتشكلت خرائط جديدة، واصطلح على مسميات جديدة، ودخلت إلى قواميس اللغة عبارات لم تكن موجودة من قبل. وراهن المستفيدون من تحويل قضية البلد المنهوب والشعب المشرد، إلى حكاية قديمة ذابلة، ليجعلوا منها فيلماً بالأبيض والأسود نتذكره في وقت الترفيه، حين نريد أن «نفرّغ» رؤوسنا، فلا نشغلها بشيء «ذي قيمة»، فنرمي بأجسادنا على الكنبة ونشاهد الفيلم القديم من دون أن نفكر. قد نضحك ونبتسم، لكن الأهم ألا نفكر، فالفيلم قديم، وقد سبق أن شاهدناه عشرات المرات. اشتغلت دول ومؤسسات وشخصيات على مدى أكثر من قرن، قبل النكبة وبعدها، كي تحوّل بلداً بأكمله، بأرضه وشعبه، إلى فيلم قديم بالأبيض والأسود، وفي مراحل كثيرة، في مناسبات كثيرة، علينا أن نعترف، أنها نجحت.
لكن جيلاً جديداً من الشباب العربي اشتد عوده خلال العقود الثلاثة الماضية. جيل لم يشهد النكبة، ولم يحمل سلاحاً للدفاع عن الثوار، وقد لا يعرف شيئاً عن مخيمات اللاجئين.. شباب مثقف متعلم يخالط أناساً من الشرق ومن الغرب، يستمع ويقرأ ويتابع، يسافر ويلتقي ويحاجج، يجيد اللغات القديمة واللغة الحديثة، لغة الـ«فيس بوك» و«التويتر».. جيل، وجد نفسه في مواجهة تيار عاصف من الهجوم على هويته وانتمائه، ولغته وشكله، وصولاً إلى حجابه وشكل بيته وحتى هواياته الشخصية، فأراد أن يعرف لماذا، وكيف وأين ومتى بدأت الحكاية. ربما لم تتح له الفرصة في المدرسة ولا في مكتبة الحي ولا في مجلس الأصدقاء، من قبل، لكنه الآن يبحر على الانترنت كما يبحر قارب بشراع متين، ويتواصل بمهارة ويحصل على المعلومة التي يريدها لكي يسلّح نفسه بالمعرفة، بالقوة.. والأمل.
منذ سنوات نرصد ردة، أو لنقل نوعاً من «الريترو»، يمتهنه شباب عربي، من دول كثيرة، تجاه القضية الفلسطينية. لم يعد المنتج يخرج حصراً من بيروت أو القاهرة أو تونس، بل من أمكنة أخرى. بثينة كاظم، إعلامية إماراتية شابة، أنتجت مؤخراً فيلماً وثائقياً هو «رسائل من فلسطين»، الذي أخرجه راشد المري، وعرض في «دبي السينمائي»، وتستعد لإعادة عرضه في مناسبات أخرى، يحتوي العنصرين: المهنية والأمل، لذلك فهو يستحق إشادة.