أهلا وسهلا بك، أنت تخضع الآن لمقابلة الخروج من العمل، نسمّيها بالانجليزية «إكزت انترفيو».. هل لديك فكرة مسبقة عن الأمر؟.

صمت.

حسنا، نريدك أن تجيب عن الأسئلة التالية، بصراحة، كي تساعدنا على فهم الأسباب التي أدت الى تركك هذا المكان، ما يسمح لنا بتطوير نظامنا، واجراء التعديلات المناسبة. أوكيه؟

صمت.

يبدو انك لا تحب الكلام كثيرا. وهو ما نعرفه جيدا عنك، اذ لم يحدث أننا تواصلنا كثيرا، في السابق، رغم مضيّ فترة طويلة جدا على تواجدك معنا. حسنا، السؤال الأول: كيف تصف تجربتك معنا، هل كانت مثمرة، والى أي حد. أعني: هل جنيت كل الثمار التي كنت تطمح اليها، أم أن موسم الحصاد كان ليستمر اكثر برأيك؟

صمت.

لا يبدو أنك متوقّد الذهن هذا الصباح. سأساعدك: هل تعتقد أن مغادرتك سوف تؤثر على سير العمل. انت من الشخصيات الهامة في هذا المكان، وقد خدمته بكل طاقتك وسني شبابك. هل أنت مهيأ نفسيا للمغادرة؟ بوسعنا ان نمدك ببعض النصائح التي تساعدك على تقبل الأمر. مثلا، خذ عطلة طويلة، قم بزيارة امكنة لم تعرفها من قبل. هناك، في العالم العربي مدن جميلة: بيروت، جدّة.. ما رأيك بالقاهرة؟ لم تعرفها قبل الآن، ولكن انتظر قليلا، ريثما تهدأ التوترات. يقولون أن بركانا انفجر هناك، هل علمت بالأمر؟

صمت.

.. وابتعد عن التلفاز قدر الإمكان، واذا كنت معتادا على بعض الهوايات الخاصة التي تولّد طاقة سلبية، مثل مشاهدة أفلام مصاصي الدماء، ومطالعة قصص الجاسوسية، وفقأ أعين الضفادع، ونحر رقاب المخلوقات الأليفة، بوسعك أن تنتقل الى هوايات بديلة: ترسم فراشات. ما رأيك؟ هناك مساحات هائلة من الجدران، تعرفها جيدا. اذهب هناك، وارسم فراشات. هذا حلّ ملائم. بوسعك أيضا أن تصنع طائرات ورقية ملونة وتهديها لأطفال فقراء. هناك الكثير من الفقر الأسود الذي يحتاج الى لمسة من الألوان. ماذا قلت؟

صمت.

فيلاعذرا، لا تسيء فهمي. لم أقصد التطفل على حياتك الخاصة. وليس لي الحق في تشريح هواياتك، فكل ما هو خارج إطار العمل، حرية شخصية، ونحن نكفل الحرية الشخصية، وأعتقد أنك تقدرها وتسحقها.. آه، أقصد: تستحقها. في بعض المرات يسقط مني حرف التاء، لكن ذلك أفضل من أن يسقط حرف الضاد. الضاد هام، وله رمز عاطفي وتكويني وجوهري. لا أريد التفلسف، ولكنني، اسمح لي، لا أستطيع منع نفسي من التفكير في بعض التقارير التي لديّ وتتعلق بهواياتك. هل صحيح أنك تستعيض عن الاستماع الى الموسيقى الكلاسيكية بموسيقى اخرى من قبيل جلبة سيارات الاسعاف والاطفاء. هذا يروق لك، فتغتنم كل فرصة للتواصل معه؟ على كل، هذا ليس من شأننا، وما يهمنا هنا، في مقابلة الخروج من العمل، أن نستمع الى ملاحظاتك الآن.. تفضل!

صمت.

انا منزعج قليلا من صمتك، ولا أستطيع هدر الوقت كله معك فلديّ مقابلات أخرى أجريها. تكلّم رجاء، أو وقّع وغادر..

صوت: لن أوقع. لن أغادر.