«أحمد بسيوني، مدرس فنون في جامعة حلوان، 31 سنة، أب لطفلين: سلمى وآدم.. قتل في ميدان التحرير».
هكذا طالعتني بياناتك مع صورتك على «البلاك بيري». كنت أول صورة أشاهدها لقتيل الثورة في مصر.
منذ عشرة أيام، وأرقام القتلى والجرحى تخترق مخيلتي، تثقبها، توجعها، فتطير إلى أرواح هائمة في السماء تسألها: «ما الخبر، ما الاسم، ما الشكل، من هو، من هي، كيف، متى، وماذا بعد». قبل ان يفك الحصار عن «الفيسبوك» منذ أيام قليلة، كان الخيال هو زادي الوحيد لكي أنسج شكل الحكاية التي ترمي لنا الفضائيات بأطياف منها. شريط يمر تحت صورة المذيع أو المذيعة، يخبرنا عن الأرقام. لطالما كرهت ذلك، لكن في وقت التعتيم والحجب والقمع، لا يمكن الا الاكتفاء بالأرقام. يبدأ بزوغها على شريط أحمر عريض، حين تكون خبراً عاجلاً، قبل أن تتحول الى شريط أحمر اضيق، في الأسفل، حين تصبح من «حصيلة الأمس». في مرات، يعاد نبشها لكي تضاف إليها أرقام جديدة، يتم رفعها من الكعب، ثم إنزالها مرة أخرى. الجثث ترفع من القبور لفترة، كي تضاف إليها جثث جديدة، ثم تغلق مجدداً، ويمسّد التراب على بقاياها، فيما الأرواح هائمة، عائدة، هانئة، مطمئنة. هي اللحظة عينها التي كنت أطلق فيها مخيلتي إلى الفضاء، للقاء تلك الارواح الهانئة المطمئنة وسؤالها ما أرغب.
لكن، حين بدأت الصور تنشر، حين عثرت، لأول مرة، على جثة، على جهاز البلاك بيري، كان الواقع أقسى من الخيال. هذه المرة، ليس رقماً، ولا حكاية متخيلة، بل وجهاً، لشاب، تشع عيناه بالأمل وتتقد بحلم التغيير. في صورته الضاحكة، التي يتم تناقلها على «الفيبسوك»، لا يبدو أحمد حزيناً. ضحكته واسعة، يرتدي قميصاً رمادياً وسترة سوداء، يلبس نظارة إطارها أسود عريض، فيما توحي لحيته وشعره، بشخصية تتلاءم مع هواه ومهنته: «الفن الحديث». لم يكن أحمد، يعرف، وهو يثبت هذه الصورة ذات يوم على صفحته على «الفيس بوك» أنها ستكون صورة موته، جنازته الالكترونية، التي ستثبت على مدونات آلاف الشباب ويراها الملايين في العالم، بشريطها الأسود في أعلى اليسار، يحكي عن الغياب. ستكوّن هذه الصورة، الضاحكة الآملة، ومعها عشرات الصور الأخرى التي تم نشرها في لائحة «اخواننا الشهداء»، وجهاً جديداً للمستقبل الذي رسمت ملامحه دماء الشباب العربي. صورة الحرية التي تصنع ذاكرة التاريخ.
أفتّش خلف الصورة. اصل إلى منعطف طريق في الذاكرة. قبل أيام من الرحيل. مشاركتك في معرض عن الفن الحديث يحمل عنوان «ليه لأ؟»، مع مجموعة من الفنانين المتمردين على أنماط الفن التقليدي ومشتغليه.. تلك مشاركة تؤكد حسّك الثوري وأملك بالتغيير. «مانفيستو» المعرض، يحكي عن الفن بلغة السياسة: «ليه لأ؟ هو دعوة موجهة إلى هؤلاء الفنانين ليجروا أبحاثاً شخصية أكثر جرأة وتشجيعهم على القيام بتجارب فنية بوسائط غير تقليدية وحملهم على تحدّي ممارساتهم الحالية.. يعبّر العنوان «ليه لأ؟» عن إمكانيات مفتوحة إلى ما لا نهاية تتحدى الثوابت ببروزها ضمن تيارات فكرية تقليدية تتسم بالركود». وهكذا فعلت، ولم يكن الثمن ألواناً جديدة ولا وسائط فنية جديدة، بل دماء غالية!