أشعر بالعجز. كما لو كنت طاولة توضع عليها منضدة فيها رماد سيجارة منطفىء، موقعها قبالة التلفاز. كما لو كنت طنجرة على غطائها بقايا طعام «بايت» وفي قعرها حساء متجمد، مرمية على الطاولة، قبالة التلفاز. كما لو كنت آنية ذبلت فيها الزهور، وفاحت عفنا وعطنا، في مياه راكدة، صفراء، فيها بقايا قشور، موضوعة قرب الطنجرة المهملة، قبالة التلفاز. أشعر أن المسافة بيني وبين داخلي، قلبي، تساوي المسافة بين بيتي، حيث التلفاز، وبين ميدان التحرير. ربما آلاف الأميال. أنا مثل هذه الأشياء أحدق في التلفاز. أسهو في أحضان ذبذباته، على وقع أصوات مذيعي «الجزيرة» والـ«بي بي سي»، تدخل الأصوات الى أحلامي، كوابيسي، أصحو فزعا، أقفز عن الكنبة، أستوعب اللحظة، أحدق في شريط الأخبار، أحدّث معلوماتي عبر البيانات الواردة. أصاب باحباط، بخوف، برعب، بأمل، بفرح، بكآبة.. ثم أعود الى الكنبة، جثة هامدة.
أقرر أنني لن أشعل التلفاز اليوم. ثم أستمع الى صوت خالد عبر «الجزيرة»: شكرا خالد، الناشط الشاب، كان معنا من ميدان التحرير. أتذكر أوقاتا جمعتنا في بيته بالقاهرة قبل سنوات. أعرفه، وأحفظ له صورة رزينة، هادئة. حين يتحدث، يمغّط الكلمات، كما لو أنه يحسب ما يقول. هذه المرة كان مختلفا، كان كلامه متدفقا، عبر الشاشة، والمذيعة تسأله عن «الأوضاع». شعرت بروحه تتدفق الى دواخلي، حزنت وخفت عليه وعلى مئات الآلاف من الشبان الذين لا أعرفهم جميعا، لكنني أعرف عنهم كثيرا. تراجعت عن قراري وقلت «من أجل خالد سأستمر بالمشاهدة». جاء دور الطبيب. كان يصف عمليات الإسعاف التي يقوم بها المتطوعون من الشعب الذين هبوا لنجدة أبناء جلدتهم بعد أحداث يوم الأربعاء الماضي في ميدان التحرير. الطبيب تحدث عن مشاهد مهولة لم يرها من قبل. وصف الإصابات وحدد مواقعها في الجسد. شرح أوضاع الجرحى وتحدث عن بعضهم ممن يأتون الى المستشفى، ويخرجون، ليعودوا بعد ساعات باصابات جديدة: «أحدهم حضر الى المستشفى اربع مرات خلال ساعات». ثم بكى. الطبيب بكى على الهواء. تهدج صوته، وقال: عذرا، فردت المذيعة: لا داعي للاعتذار، نحن نعي تماما الحالة النفسية التي تسيطر عليكم. لم أتمالك نفسي، تغلغل ماء الى عينيّ. استحضرت صورا من أفلام مصرية. تلك التي صورت الحروب التي تطوع فيها الشباب لنجدة الجرحى والمغدور بهم. تخيلت صديقاتي وقد تركن الاحتجاج، لفترة، وتحولن الى ممرضات. يضمدن الجراح ويمسحن تراب الشارع عن الجباه والوجوه. تخيلت ابتسامة فاطمة ورأس عجوز يتكئ على ساعدها، تمسح دمعته وتقول: «ما تخفش يا عمي، مش حتموت، بإذن الله، يلا بقى قوم، انت الخير والبركة».
وتخيّلت يوسف شاهين. وودت أن أكتب رسالة الى ماريان خوري، قريبته. ابنة اخته. أطلب منها تسجيلا لترنيمة «أرضنا العطشانة، نرويها بدمانا»، تلك التي تظهر في فيلم شاهين الأيقونة «الأرض»، حين يسحل الفلاح محمود المليجي، ويروي الأرض بدمائه. وددت أن أسأل ماريان عن حالها، وأبنائها الذين جاءوا قبل أسابيع الى القاهرة لكي يلتم الشمل في مناسبة «عيد الميلاد»، لكن العجز ضربني مرة أخرى ولم أكتب الرسالة ولم أجر المكالمة.