مهرجان الجاز على الأبواب. المدينة تتحضر لكي تستقبل فرق البلوز والبوب والجاز من أوروبا وأميركا. حديقة «الميديا سيتي» تتخذ في هذا الموسم ولأيام قليلة اسماً آخر، تصبح «حديقة الجاز». على العشب الندي، وتحت سماء من المتوقع أن تعود الى صفائها في الأيام القليلة المقبلة، يرمي مئات الناس من أهل المدينة والزوار بأجسادتهم على المقاعد الوثيرة، ويحلّقون مع ايقاعات الشجن الى أحلام وحكايات عن الحرية والعشق والثورة، تلك المكونات التي أنتجت قبل سنوات طويلة موسيقى الجاز من الضواحي الحزينة للمدن الكبرى.

لكن دبي ليست مدينة حزينة، ولا توجد فيها ثقافة ضواحي، والجاز تحوّل منذ زمن طويل من اختراع للفقراء الى إيقاع يستهوي كافة الطبقات، الدنيا والمتوسطة و«الفاخرة». رواد مهرجان الجاز في دبي، كما هي حالة أهالي المدينة، غالباً، من الموظفين وأصحاب الأعمال، يتمتعون بقدرة إنفاق عالية، تمكنهم من شراء تذكرة يصل سعرها إلى مائتي دولار من أجل التمايل على إيقاعات فرقة موسيقية أتت من لندن أو مانشستر أو نيويورك. أيضاً كبرى الشركات الإماراتية تضخ مئآت الآلاف من الدراهم في جيوب منظمي هذا الحدث، الذي وصل الى دورته التاسعة هذا العام، عبر رعايات تجارية تتوزع بين رعاية اسم المهرجان، أو فعالياته المختلفة، أو حفلات معينة، أو مجرد السماح لبعضها بتقديم الطعام والمشروبات والأوراق الدعائية للوافدين الى الحديقة. قد يحاجج البعض بأن البعد التسويقي التجاري للمهرجان طاغ بقوة، حتى ليكاد يصرف النظر عن مضمون الحفلات، والبعد الفني القيمي. لكن مراجعة أسماء العازفين والمغنين والفرق التي وفدت الى دبي من خلال هذا المهرجان خلال السنوات الثمانية الماضية.. تلك المراجعة تثبت بأن الأرباح المادية لم تطغ على الحس الفني. لم يتهاون المهرجان في التخلي عن سمعته كونه المهرجان الوحيد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط. هناك مبادرات غير منتظمة في بيروت، تحدث بين حين وآخر، حين يكون الطقس السياسي والأمني سامحاً لفسحة من الابداع، كما أن القاهرة في السنوات الماضية، شهدت بروز العديد من الفرق الشبابية التي تعزف تنويعات مختلفة لموسيقى الجاز، ولا يمكننا أيضاً أن نستثني دولاً في شمال إفريقيا مثل تونس والمغرب من هذه التجارب، وإذا وسعنا الدائرة تخطر في البال اسطنبول، وحتى طهران «الأندرغراوند».

لكنّ مهرجان دبي يبقى الوحيد الذي يتخذ شكلاً منظماً، بل يكاد يكون مؤسساتياً، على مستوى آلية اختيار الفرق، التي تقوم بها شركة «شيل آوت» المنظمة، وصولاً الى استقطاب الرعاة، وتطوير برامج جديدة، وعقد شراكات مع جهات خارجية وداخلية من أجل تطوير المهرجان والارتقاء بمستواه.

هذا العام، شهدنا اتفاقاً بين المهرجان ومهرجان دبي للتسوق، أثمر عن مجموعة من عروض الشارع استمرت لأسبوع، قدمت مجاناً للجمهور، في الهواء الطلق، على ممشى الجميرا (جي بي آر). على الصعيد العالمي، جرى اتفاق عبر المجلس الثقافي البريطاني في دبي، بين المهرجان وفرق بريطانية عدة، ستسيطر عروضاتها، تقريباً، على نصف عروض المهرجان.

في كل الأحوال، نحتاج الى كل هذا الجاز الذي يأتي من دبي، في ظل صخب الثورات المتلاحقة في العالم العربي. وبين الثورة والجاز علاقة حب أبدية!