الغبار يغطي المدينة. المشهد، من خلف النافذة، ضبابي. هذه ليست غيوما حانقة، بل صحراء تذكّر بنفسها. على مقربة منا تعيش بصمتها الأبدي الأزلي، فيما نحن في أبراجنا ويوميات أعمالنا نصنع صخبا وضجيجا، ونغوص في قضايانا الذاتية، في أدق التفاصيل، حتى يخيّل إلينا أننا البداية والنهاية، وكل شيء. في الواقع، نحن أصغر شيء على هذا الكوكب، وعناصر الطبيعة التي نشاركها العيش، لفترة محدودة، أطول عمرا وأضخم قوة وأكثر تأثيرا. نحن جزء من هذا الغبار، نمرّ على الأمكنة والتواريخ، ننثر حكاياتنا ونمضي.
في مديح الغبار أقول إنه ذكرنا ببهاء الأشياء التي نمر إلى جانبها كل يوم ولا نتنبه إلى التحديق فيها واستشفاف جمالياتها. أبراج وجسور وساحات ولافتات وحدائق، حين تكون واضحة، لا ننتبه إليها، لكن حي يغطيها ضباب الغبار، نصير نبحث عنها، عن معالمها وتفاصيلها، يثيرنا فضول إعادة اكتشافها. تماما كما الغواية، لعبة إخفاء أكثر مما هي لعبة كشف.
تقود سيارتك في يوم مغبر. مزاجك متغيّر هذا الصباح، و«حبة» دواء الحساسية أول ما يدخل الى معدتك توقيا. تثبت أرقام الموجة عند «أبو ظبي كلاسيك أف أم». تصدح موسيقى موزرات، فتترك العنان لخيالك يحلّق بك أنّى يشاء. الطقس الغائم، وإن بفعل الغبار، له مفعول «ساحر» حين تعيشه على وقع الموسيقى الكلاسيكية. ثمة ما يعيدك في هذا الجو الى الداخل. ربما هي الكآبة البسيطة التي ننشغل في بعض المرات عنها. كآبة الرمادي السريعة التي تنتهي على عجالة، لكنها تفيد في ردنا، في بعض المرات الى دواخلنا. الى تلك المنطقة التي تختزن أهم الذكريات وأنقى الصور وأكثر الحكايات براءة. الى ذواتنا الحقيقية، الناصعة، قبل أن تراكم فوقها الأيام طبقات من الأسى والهوى، الرياء والكبرياء، النزق والخوف.. إلى تلك المنطقة الآمنة، التي كـ«صندوق أسود» لا نتذكرها في العادة، الا ان رمتنا الظروف على كرسي طبيب نفسي، أو في مواجهة مصيبة تستدعي النكش في هذا الصندوق. قد يكون من المفيد، وموزرات يصدح بالسهل الممتنع، والغبار يظللنا بغيمة وهمية من الرمادي، أن نزور أنفسنا، ولو قليلا.
في مديح الغبار، أقول أن مسحه عن جلدة كتاب، يذكرنا كم أننا تكاسلنا عن فعل القراءة، وارتمينا في أحضان «الفيس بوك» والـ«يوتيوب»، ومسحه عن ألبوم صور عتيق يذكرنا أننا نسينا الصور وأصحابها، ومسحه عن حافة السرير يذكرنا بالفلسفة الصينية التي تتحدث عن نوم هانئ في سرير نظيف، لا توضع تحته أي «كراكيب»، كي تتحرك الطاقة غير المرئية بسلاسة، كماء سلسبيل يتدفق، فلا تصيبنا أوجاع ولا كوابيس.
وقد عرفت قبل فترة وجيزة أن «السهيلي»، كما يعرفه أهل البلاد، منذ زمن بعيد، ليس مجرد عاصفة غبار تأتي وتذهب، بل هو جزء من تراث يشمل قصائد نظمت فيه من الشعر الشعبي، وحكايات وأساطير عنه، وأيضا طقوس تختص بالكبار والصغار. مما كان الصغار يفعلونه، حين يرحل «السهيلي»، ويعود الجو الى نقائه، هو البحث في الدروب عن قطع نقود أو بقايا أشياء ثمينة أو قطع ألعاب، كانت مختفية تحت الرمل، وكشف عنها هبوب «السهيلي».
الغبار ليس شيئا علينا أن نبغضه، ولنتذكر أننا مثله، عابرون!