يبحث كاتب الرسالة عن خاتمة متفردة تصنع هوية خاصة لرسالته. وبدلا من أن تنتهي الرسالة بـ»تحياتي القلبية«، أو »أراك قريبا بصحة«، أو »مع خالص الشكر والمودة«، وغيرها من العبارات التي بوسعنا أن نضيف اليها »باست ريغاردز« بالانجليزية.. قد تصلك رسالة من صديقة، في خاتمتها »يسعدو!..« (باللهجة الفصحى جلب لك الله السعادة). فتصبح تلك »القفلة« شيفرة سرية للتخاطب بينك وبين المرسلة، في زمن تضطر فيه الى نسخ عشرات الرسائل يوميا، على »الفيس بوك« و»آوت لوك«، ناسيا أن تحمّلها شيئا من شخصيتك.

بعد أن قتلت التكنولوجيا البريد المكتوب، وانتهى عصر الأوراق المسطرة، التي كان بوسع أحدنا أن يستعرض عليها مهارات الخط الجميل، وذائقة الحبر، المتلائم مع لون الورق (من النادر أن أكتب اليوم أي شيء بعيدا عن لوحة المفاتيح ولو اضطررت فإن رداءة الخط تجعلني غير قادر على أن أفهم ما كتبته لاحقا).. بعد أن اغتالت التكنولوجيا هذا الطقس، وتحولنا الى الحروف الرقمية، وصفحات »مايكروسوفت وورد« التي لا يمكن أن ترسم عليها قلبا أو عصفورا أو فراشة، تزيّن بها رسالتك.. بتنا نعيش اليوم مرحلة جديدة هي اغتيال اللغة، أو على الأقل، حس اللغة. فلم تعد الرسائل، حتى الالكترونية، تحمل ألفاظا أو عبارات دافئة ترن في بالك أو تدخل قلبك. وتمددت سهولة الطباعة والنقر، وكتابة الرسالة بوقت أسرع، على سهولة العبارة، حيث باتت القاعدة في تحرير هذه الرسائل، »خلّص على السريع«، على قولة إخواننا المصريين، الذين يحلمون هذه الأيام بخلاص وحيد، لا يبدو أنه سيأتي »سريعا«.

ويتفنن العشاق عادة في تبادل رسائل بتوقيعات خاصة. وأتذكر طرفة قرأتها في هذا السياق: »كان يرسل يوميا برسالة غرام الى الفتاة التي يحبها، يملؤها بلواعج أشواقه، وحرارة، وجده وهيامه بها...ثم ينهي رسالته بعبارة: إنني كتبت الكلمات على السطور بدم قلبي. وكانت هي ترد على رسائله بحرارة وشوق أكبر...ثم تنهي رسالتها كذلك بعبارة: أكتب إليك الكلمات بدم ينزف من قلبي.! فكان القلم يضحك بمرارة وألم، ويقول: كلاكما يكذب...أنتما تكتبان بدم قلبي أنا!. لكن كان القلم يمني نفسه بوفائهما إذا احتفظا به رمزا للذكرى«..

وشخصيا، أحب نمط الرسائل التي قد تنتهي بخواتيم متميزة، وأبادلها بتوقيع »وما هانئا« الذي أعتمده ردا على تلك النوعية من الرسائل. قبل أيام وردتني رسالة من صبيّة لا أعرفها شخصيا، وقد تواعدنا على لقاء قريب، وكنا نرتب له عبر البريد الالكتروني، ففاجأتني بعبارة »محبة، زيت وزيتون«، في خاتمة رسالتها، بعد الاسم . كتبت:» سارة.. محبة، زيت وزيتون«. وسارة من فلسطين، وهي جزء من مجموعة مدنية تعمل في نشاطات متنوعة لدعم أهالي فلسطين. توقيعها، كما رائحة أرضها، زيت وزيتون. بكلمة واحدة عبّرت تلك الصبيّة، وقبل أن يجمعنا أي لقاء عن شيء من شخصيتها، التي توقعتها ذكية ومرحة ومرتبطة، حتى »نخاع« التوقيع، بقضيتها. وسأظل دائما أتذكرها: سارة الـ»محبة، الزيت والزيتون«.

توقيعات مثل »كيسز«، و»بيزو«، أي بالإنجليزية والفرنسية »قبلات«، لا أستسيغها. ليس لأنني بطبيعة الحال ضد القبلات (ومن منا؟)، ولكن لأنني أجد فيها تفريغا للمعنى واستسهالا، ومرات، أرى فيها اختراقا غبر مبرر لمنطقة الحميمية.