قبل أسبوع من انطلاق أحد أهم مهرجانات السينما العالمية، «برلين السينمائي»، تعود الى عناوين التقارير الاعلامية نقاشات مستمرة ومتكررة على مدى نصف القرن الماضي من عمر المهرجان، الذي بلغ إحدى وستين سنة.. تتعلق بشكل رئيسي بسيطرة مفترضة لأجندة تدعم الأفلام التي تروّج لقضايا اسرائيلية، على رأسها تاريخ النازية ضد اليهود، حيث يرى البعض أن المهرجان يعتبر احدى المنصات الرئيسية لدعم هذه الأفلام، على الصعيد الأوروبي، فيما تتكفل هوليودي بالشق الأميركي التجاري، على المستوى العالمي.
لكن هذه النظرية التي تشيع كثيرا في كتابات نقاد عرب، لا يبدو تأكيدها، لأي متتبع وراصد للمهرجان، على هذا النحو من البساطة التي تسمح بالتوصل الى خلاصات حاسمة. وفي كل سنة، تطال أسهم بعض النقاد منظمي مهرجان برلين السينمائي الدولي، لتعاطفهم مع سينما إسرائيل ودعمهم لمخرجين إسرائيليين، في الوقت الذي يلحظ فعلا غياب شبه كامل للسينما العربية. لكن آخرين لا يوافقون على أن المهرجان يتحرك بأجندة موجهة ضد العرب، بدليل أفلام إسرائيلية عرضت في الدورات الماضية، وتعرضت للصراع بين إسرائيل والعرب، من دون أن تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية. ففي دورة العام 2007، تمكن فيلم إسرائيلي، هو «بوفور»، يتناول هزائم الجيش في جنوب لبنان، من الفوز بالجائزة الذهبية في المهرجان، الأمر الذي جعل المتعاطفين مع إسرائيل يفتحون نار الانتقاد على إدارة المهرجان التي احتفت بفيلم «يظهر الجنود الإسرائيليون يعيشون العزلة والخوف الذي ينتقل كالعدوى إلي الجميع، فيما يكون علي قائد المجموعة أن يتخطي خوفه وهو يشهد جنوده يسقطون واحدا تلو الآخر».
من جهة أخرى، يحاجج مؤيدو «حيادية» المهرجان، في كونه عرض في الدورة الماضية، على سبيل المثال، فيلما عن حرب غزة، ذاتها، يوثق للجرائم الإسرائيلية، في لحظة سياسية حرجة كان يمر بها الكيان الصهيوني، على خلفية صدور تقرير لـ«هيومان ووتش»، قبل أيام من عرض الفيلم، اتهم حكومة إسرائيل بالتهرب من تنفيذ تحقيق جدي بشأن جرائمها في حرب غزة. وكنت قد كتبت العام الماضي تقريرا مطولا عن واقعة شهدت عليها أثناء تغطيتي المهرجان، أقتطع منه التالي: «.. في الصالة رقم 7 من مبنى «سيني ستار»، على مسافة أمتار من قصر مهرجان برلين السينمائي الدولي، ومئتي متر من السرداب المعروف باسم «سرداب هتلر»، وأربعمئة متر من النصب التذكاري لـ«الهولوكوست»، حدثت «مناوشات»، كان من الممكن أن تتحول إلى معركة حقيقية، حملت عنوان «غزة في مواجهة إسرائيل». فبعد أن انتهى عرض الفيلم الإسرائيلي التوثيقي الذي حمل عنوان «فيلم لم يكتمل»، ودار حول الأيام الأخيرة لليهود المعتقلين في «غيتو» في بولندا، قبل إعدامهم من قبل النازيين، فاجأت إحدى الحاضرات في الصالة، متحدثة بالألمانية، الجمهور، بتعليق يسخر من مقارنة «هذا الفيلم المؤثر، بما حصل في غزة العام الماضي.. أجد فعلا أن المقارنة سخيفة»..
طبعا، انتهى الأمر بمشادة في الصالة بين أنصار فلسطين وأنصار اسرائيل. ويقول منظمو المهرجان أنه طالما أن هكذا «معارك» مسموح بحدوثها في أروقة المهرجان، فهذا دليل على كونه غير موجه. ربما..!