كنورس أكنس الشواطئ. ابحث عن العشب البحري لأبني بيتاً. من بقايا الحكاية وأغاني الصيادين. ألتقط زادي في صخب المجموعة، ثم أحلّق بغنيمتي، عاليا، عاليا. طحلب من قديم الزمان، اخضر كما المروج البعيدة، اصفر .
كما أزهار الربيع، ذهب كما عقد في رقبة الجميلة التي تتمشى قرب القوارب وتلتقط لها صوراً.. طحلب من هذا الحوض وطحلب من ذلك، أجففها على قماشة شراع مفرود، ابيض يختزن النور وأهازيج البحارة وسر الضوء، ثم ابني بها بيتي الدافئ الملوّن، وأغفو، إلى أن يوقظني فجر جديد يحمل معه مغامرة جديدة.كنورس أتلّون مع المواسم. أسمر هذا الصيف، ابيض هذا الشتاء، فضّي هذا الربيع، رماديّ هذا الخريف. تبدّلني الطبيعة، تمنحني عطاءاتها، فلا أملّ ولا أضجر ولا تختنق روحي، ولا تصيبني كآبة. احلّق، عاليا، عاليا. انثر من فضتي على الناس، من تحتي. على كنّاس الشارع.
فأحيل غبار أيامه بريقا وأملا. على ذلك المصلّي يسعى إلى جامع البحر في الفجر، تسابيحه والحمد والشكر تهدر في الفضاء، ينظر إلى أعلى ويبتسم لذلك البريق الذي تبدى له، في اللحظة التي يدعو فيها قلبه المحترق السماء ان تستجيب لصلواته. انثر ألواني على المدينة، تعويذة للكرنفال الدائم، لفرح الأطفال وطمأنينة الكبار وسكينة الأرواح الهائمة. لذلك العاشق الذي، على مقعد خشبي خالطه ملح البحر، يكتب أشعار الوحدة والفراق، الحنين والغياب، العشق والوله. يأخذ من فضتي مدادا لأجمل عنوان لأحلى قصيدة لأبهى حبيبة.
كنورس اضحك كل الوقت، افتح منقاري وأشدو بالفرح. اطلق صيحاتي، رنانة كصيحة إنسان قديم، مبهجة كضحكة طفل وليد، تتردد أصداؤها كأجراس بيت عتيق، على كتف واد عتيق، يلفّه ضباب عتيق. أحلّق عاليا، عاليا وأضحك.
كنورس أنقّب عن ديدان الأرض. أكشفها. أفنيها. أقف على الرمل. احرّك جناحيّ، أرفرف بهما، أضرب بهما الهواء، أصنع جلبة، اصنع ذعرا، اصنع خوفا. تخرج من مخابئها، من دهاليزها، افنيها، اريح جثثا من آلامها، جذورا من النخر فيها، أصدافا من سدّ فوهاتها وخنق حواديتها، تمائم من فك أسرارها، هدايا من قتل مفاجآتها.. أفني ديدان الارض، وأحلّق عاليا، عاليا.
كنورس ألحق السفينة. اصادق البحّار. يثبتني على كتفه، فيما يناجي القمر. يخبرني عن القمر. يقول: «ليت القمر ظل متمنعا على أقدام البشر، يناجونه بالحلم فقط، بالأغنية واللوحة والاسطورة.. لكن، يا نورسي العزيز، أعدك أنني، إن زرت القمر، آخذك معي».
أصادق البحار واحلم بالقمر. أغسل ثيابه في الماء، انشرها على الحبال، أحضر له السمك، يرمي لي بالبقايا، لكنني لا أكترث، إن حولني الى خادم، طالما هو سيأخذني الى القمر. يطلب مني أن أنفذ له بعض الطلبات التي لم اكن لأرضى بها، لولا إغراء القمر: اتلصص على من يريد، احط على حافات النوافذ وارصد الكلام وأنقله، يحوّلني الى جاسوس. ارمي عشب البحر المالح في عيون من يكره، وأعميه، اغرقه في ظلام دائم. «صديقي» البحار حولني الى مجرم. يطلب مني عقد الذهب من عنق الجميلة، ومسبحة الفضية من يد المصلّي، وقطعة الحلوى من كيس الطفلة. يحوّلني الى سارق.
كنورس اتخلى عن القمر وأحلّق عاليا، عاليا.. كنورس، فقط!