أراك من هنا، من خلف شاشة التلفاز تصرخين في الشارع. تلوّحين بقبضتك. تطالبين بحق الفقراء بأن يجانبوا الذل في حياتهم، بحق الأمهات بألا يمتن نتيجة أمراض بوسع أدوية رخيصة ان تقضي عليها، بحق الفلاحين و«الغلابة»، الصيادين في الـ«مكس» وبؤر أخرى، المشردين من دون كتاب ولا معلّم، الموظفين الذين ينامون وتحت وساداتهم دفاتر صغيرة مملوءة بحسابات العيش والمعيشة، وكابوس «آخر الشهر»، بحق أصدقائك، المبدعين، بأن يكتبوا من دون خوف، ويدونوا من دون رعب، ومن دون أن يكسر لهم «ضلع»، أو يتعرضون لـ«اغتصاب»..

أراك، ووجهك المصري الأسمر، الذي ينضح بالحب والكرامة، والقوة، ولطف النكتة، وذكاء الفكرة.. موشّح بالامل، حالم بمستقبل أفضل، ومواجه لعواصف الأمن ومخاطره بشجاعة لا ينقصها «تهوّر». اعرف انك، وأحمد ومحمد وعادل وحمدي وسارة.. وعشرات غيركم من أصدقائي المكافحين الطيبين في شوارع القاهرة والإسكندرية، في الاحياء العشوائية والأرياف النائية، تفنون أعماركم للمساهمة في انقاذ اطفال من الأمية، ونساء من المرض، ورجال من فخ البطالة والجهل، وعجائز من الموت الحزين، وابنية وحقول وشوارع من قبح الإهمال، ووطن من قبضة الفساد والتسلّط..

أعرف انني، في كل مرة ارصد فيها تحركاتكم على «الفيس بوك»، أشعر بفرح عارم، وعجز كبير، بالمقابل. عجز من لا يقدر الا على نقرة «لايك»، فيما انتم، شباب العزيمة والحرية والحياة، تعرضون انفسكم للخطر في كل لحظة من اجل اعلام الناس، في كل مكان، وانا منهم، بما يتواطأ الساسة وفضائيات موجهة على اخفائه.

أعرف أن هاتف البلاك بيري، الذي لطالما نفرت منه، بات موصولا بأطرافي، كي لا يفوتني خبر ولا تنقصني صورة عن المشهد الذي تعيشون فيها. إنه ابسط حق لكم، علينا، نحن البعيدين العاجزين، أن نعرف ونخبر وننشر ونكتب عن معاناتكم.

اعرف، يا زيزي، ان نساء في «عزبة الهجانة»، تلك الأحياء العشوائية التي زرناها سوية ذات يوم في القاهرة، لا زلن بحاجة اليك، تركبين عربة «كرو»، وتصلين اليهن، عبر مواكب المنبوذين والفقراء، والمرضى بسرطان الدم ومطاريد الجبل.. لكي تقولي: كنّ أقوياء، كنّ متعلمات، كنّ اصحّاء، كي لا تفنى الأسرة ونفقد كل شيء. أعرف أن الأطفال في تلك القرية النائية، ينتظرون زياراتك ودعمك لجهود مكافحة البلهارسيا التي تقضي على مستقبلهم لا يزالون بانتظار زيارة جديدة، مشرقة كما «الغيطان» المباركة التي تمشينا فيها وضحكنا على أبقار محبوسة حتى الليل خوفا من «عين الحسود».

أعرف انّ تلك الأزقة الضيقة، في مصر القديمة، حيث ورش رجال ونساء هربوا من البطالة الى الطين، يشكلونه بأياديهم أواني وصحون، تحتاج الى زياراتك المتكررة، الى عباراتك اللبقة والعفوية التي تشعل الحماسة والأمل في صدورهم، بأن هذا الصحن سيمتلئ الى آخره ذات يوم ولن يجوع العيال ابدا ، وتلك الآنية ستفوح منها رائحة زهور..

أعرف أنك في هذه اللحظات، فيما اكتب اليك، قد تكونين في مواجهة مع قنبلة او عصا غليظة..

أرجوك، كوني بخير، وابقي لأناس كثر، حيوية.. وحية!