الى سوزان... مرة جديدة
«عمبيلعبوا الولاد.. عمبيلعبوا».. تغني فيروز.
لدى «الولاد» عجينة معجونة. حمراء أو بيضاء أو خضراء، الألوان لم تعد تهم، ولا معانيها، فلا نقاء ولا تضحية ولا جمال. العجينة المعجونة سموّها «وطن». تشكلت، تشاكلت، تخففت، تثاقلت، مهما يكن، هي ليست سوى عجنية معجونة نسوها على الأرض، داسوها بأقدامهم، وتلهوا عنها باللعب. تارة يعلبون «الغميضة»، يقول فريق للآخر: أغمض عينيك، واكتشف مخبأنا. يعدّ أحدهم، معصوب العينين، للعشرة، قبل أن يصل الى الستة، يكون قد خالف «ميثاق» اللعبة وفتح عينيه متلصصا على مكان المخبأ، يجاهر بعد ذلك، زورا، أنه اكتشف، بمهاراته الخاصة، «الحقيقة». وحين يفزّ ويهزّ، ويتنطط ويتبطط (من بطة) سينسى العجينة المعجونة، التي ستكون، على الأرض، تئن كما طوق الياسمين في قصيدة نزار قباني الشهيرة. ثم يتبادل الفريقان الأدوار، من كان مغمّضا يفتح عينيه، ويتلبس دور «هولمز» الباحث عما هو مخبأ ودفين. ولن ينسى، في اطار بحثه الدؤوب عن ذلك «الدفين»، أن يدفن بقايا العجينة المعجونة، في أسفل كعب حذائه، فهو، في وقت اللعب، لا يعود واعيا لأي شيء آخر.
«عمبيلعبوا الولاد.. تحت السما الزرقا »..
و«السما» لم تعد «زرقا»، ففيها من الكذب الذي يضخ يوميا من أفواه الجموع، ما يجعلها ملبدة بغازات سامة تغيّر لونها وتلوث نقاءها. فيها من انبعاثات الهراء والغثاء والغباء ما قد يجعل طائرة تترنح فيها لفرط كثافة جوها، وما قد يحيل كل الكائنات الطائرة، من طيور وفراشات وحشرات، بما فيها الصراصير التي تحلق فوق جبال النفايات وغابات النفايات وبحار النفايات.. ما يحيل كل تلك الكائنات الى الانقراض. «السما» لم تعد «زرقا» لأنه لفرط استغلالها في القسم والألم باتت باهتة كنكتة قديمة، أو حكاية مضجرة لا يريد أن يسمعها أحد. فكل المغامرات العسكرية تخاض باسم السماء، وكل «المتوافقين» والأفاقين يلقون خطبهم باسم السماء، وكل «الولاد» يلجأون الى السماء بعد أن يحرقوا الأرض، يستمطرونها طلبا لعجينة معجونة جديدة يصنعون منها مسخا جديدا.
«عمبيلعبوا الولاد.. عمبيلعبوا»..
أخجل من «الولاد». من انتمائي الى حيّهم. أبغضهم لأنهم ليسوا أبرياء ولا ملائكة ولا بشائر المستقبل. أنهم، كما في أفلام الرعب، أولاد مشوهين، ممسوسين، «مسكونين» بالعفاريت الشريرة. أبغضهم لأننا أنجبناهم، من رحم متعفن، ولأننا لم نحكم عليهم بموت سريع، «رحيم» لنا، يحمينا ويحمي مستقبلنا من العابهم الشريرة، «بيت بيوت»، «عسكر وحرامية»، «لقّيطة».. كل تلك الألعاب التي لم يتوقفوا عن ممارستها، فيما العجينة المعجونة تفنى، والفراشات تفنى، والأمل بالمستقبل يفنى، وأغاني الحياة تفنى..
«عمبيلعبوا الولاد..»، ليتهم يذهبون الى واد سحيق ولا يعودون أبدا!