حين استردت عائلة التونسي محمد البوعزيزي، الذي آثر أن تكون «شرارة» التغيير لهباً يحرق جسده.. عربته التي لم يسمح له بركنها على رصيف، فاجتاحت الجموع، ولا تزال، كل الأرصفة في تونس.. حين استعادتها عائلته من الشرطة، وقبل أن تودعها المخزن، انتبهت أمه الى بقايا قشور فاكهة محشوة في قواطع سطح العربة، بكت، وهي تلتقطها ذابلة محروقة مفتتة، كما هو جسد وليدها الذي أضحى تحت التراب.
يقول أخو البوعزيزي، لوكالة الصحافة الفرنسية إنه تلقى عروضات لشراء العربة من قبل متمولين في اليمن والخليج، لكنه رفض بيعها: «ما قد أقدم عليه يوماً هو وضعها نصبا تذكاريا في إحدى الساحات التونسية»، يضيف: لو كنت مسؤولاً في جامعة الدول العربية، لاقترحت أن يصار إلى إنشاء متحف متنقّل بين عواصمنا، أسميه «أشياء الشرفاء». ستجد العربة مكاناً لها فيه، مع شروحات بلغات مختلفة، وتسجيل صوتي لهواة الـ «أوديو غايد»، يخبر القصة الكاملة لما حصل في يناير العام 2011، في بلد عربي ثار شعبه على الظلم وأسقط الظالمين.
«أشياء من فلسطين»، سيكون عنوان قسم ضخم في المتحف، قد يمتد على طابقين كاملين، حيث سيوضع حذاء الشهيد الطفل محمد الدرة، الذي قتله قناص اسرائيلي زمن الانتفاضة في حضن والده، أمام مرأى ومسمع العالم كله، على الهواء مباشرة.
هل سيكون بوسعنا أن نلملم ألعاباً من بيوت كل ألأطفال الذين قتلوا برصاص حيّ في فلسطين منذ احتلالها؟ ماذا عن أشياء الأمهات العراقيات اللواتي نحرن بواسطة الأميركيين والإنجليز؟ صنارات الحياكة، أكياس الشاي المستعملة، ثوب الصلاة، أكياس الدنانير المخبأة الى يوم «أسود» (فإذا بالأيام كلها سوداء ودامية)؟
هل بوسعنا أن نعرضها، كلها في هكذا متحف؟ يبدو ذلك ضرباً من ضروب الاستحالة، لذلك سيكون علينا أن نشكل «لجنة» مشتركة، يعيّنها وزراء الخارجية العرب، من أجل إجراء مسح شامل للأشياء التي بالامكان عرضها في متحف الشهداء الشرفاء. سنواجه مشكلة تتعلق بتحديد مفهوم «االاستشهاد»، سينسحب على إثر هذا الجدل عدد من أعضاء اللجنة، سيصفهم «الآخرون» بالخونة. سنواجه مشكلة أخرى تتمثل بالموقف الليبي من عربة البوعزيزي، ستنسحب ليبيا مذكرة بموقفها الرسمي القائل إن « لا شيء يستدعي كل تلك الدماء»، سيغضب العضو التونسي من هذا الموقف مذكراً بضحايا حقن «ممرضات الإيدز».. سيحدث انشقاق فلسطيني- فلسطيني حول أي الأشياء «تستاهل» أكثر العرض، سيطالب فريق لبناني بعودة «مخطوفيه» قبل أن يشارك، ويعترك الفرقاء ما إذا كانت بقايا عجلة من سيارة رئيس الوزراء الأسبق المغتال رفيق الحريري تتلاءم مع «روحية» المتحف، أم لا، وبالطبع لن يتفق الجميع على العبارات التي ستكتب إلى جانب أشياء قتلى عدوان يوليو العام 2006، فقد يطالب البعض باقتطاع عبارات من وثائق «ويكيليكس» تفيد أن فريقاً لبنانياً «لا يأبه على ما يبدو» لهؤلاء الموتى ولا أشيائهم، وقد يحتج الطرف الآخر على تسييس الموضوع وتخوينه لصالح ارتباطات خارجية.
ستعلن اللجنة فشلها، ويتوقف مشروع المتحف، ويبقى الشرفاء في ذاكرتنا، صورهم وأشياؤهم في «متحف قلوبنا»!