شحنة من الغاز المسيّل للدموع كان يجب أن تصل إلى تونس آتية من فرنسا، بناءً على توجيهات وزيرة الداخلية التي عرضت خبرة الشرطة الفرنسية في قمع الاحتجاجات، الاّ أن الظروف تبدلت بين ليلة وضحاها، فأراد الشعب التونسي الحياة، وحقق ثورته، فيما تواجه الوزيرة دعوات الاقصاء والاستقالة من قبل جزء من الرأي العام الفرنسي الذي وجد في تصرفها «عاراً» لا يمكن احتماله.. ولعلكم تتابعون معي التطورات، لكن المهم أن أحداً لم يحتج إلى «العطر الفرنسي» القاتل.

الحاويات التي حملت الشحنات ولم تدخل إلى المرافئ التونسية، لعلّها حملت مع كل قنبلة بطاقة صغيرة مكتوب عليها عبارات فرنسية، نترجمها لجعلها أقرب إلى القارئ:

«عزيزتي التونسية.. عزيزي التونسي.. تقدم لك فرنسا تحيتها المستديمة، والمتواصلة منذ عهد الاستعمار، إلى ما بعد الاستعمار، إلى ما بعد بعد الاستعمار.. ومن باب حرصنا الدائم على التواجد في المناسبات الكبرى، كما الصغرى، في بلادكم الفورميدابل (الرائعة بالعربية)، وتأكيداً على إعجابنا الكبير بشباب الياسمين ورغبة منا في إضفاء نكهة جديدة إلى الفضاء التونسي، نهديكم هذا العطر الفرنسي الفريد من نوعه، وقد صمم خصيصاً نزولاً عند طلب مسؤولين رفيعي المستوى في بلادكم، كما في بلادنا، بلاد الأنوار والحب، وهو من النوع الذي قد يجعلك تدفع حياتك لقاء رشة واحدة منه تتغلغل إلى جهازك التنفسي. عزيزي الشاب، عزيزتي الطفلة، عزيزي المسن، عزيزتي العجوز.. لا تخافوا إن أسال هذا العطر الفرنسي النفاذ كثيراً من الدموع، فهذا لفرط تأثركم برائحته الزكية، الأمر الذي قد يجعلكم فعلاً تبكون، بل الدخول في حالة من الهلوسة تطير بكم، مباشرة، من مكان تواجدكم في شارع بورقيبة، إلى مكان آخر.. لقد اختار خبراؤنا الذين يفنون أعمارهم في مختبرات «غراس» في الجنوب الفرنسي من أجلكم، أجود أنواع الخلطات التي كونت هذا العطر: كلور اسيتون نخب أول، بروم اسيتون فاخر، غاز البيلسان المصفى، ورحيق من كلور الاسيتيفون المخزن في خوابي وادي فيزير في شمال شرقي مدينة بوردو العظيمة.

عزيزي التونسي الذي يحب فرنسا، والهجرة إليها، والذي ننتظره، نحن وأسماك القرش، على أحر من الجمر، نهديك هذا العطر في زجاجة الومونيوم مميزة، مدوّرة كما القنبلة، بعدة ثقوب من أعلى وثقب واحد من الأسفل. من الأعلى بوسعك أن تستنشق العطر مع عائلتك، لأجل «انتشاء» بالحجم العائلي، أما إن كنت تعيش فرديتك المطلقة، فعليك بالثقب من الأسفل، لكي تعيش اللحظة وحدك.. نحن على ثقة كاملة بأن مندوبينا في تونس، وعلى عادتهم، سيقومون بتوزيع هدايانا القيمة عليكم، مي زامي (بالعربية أصدقاءنا)، وضخ العطر في جيوبكم الأنفية وأكياسكم الرئوية وحدقات عيونكم الأبية.. إما، إن صادف، والتقط أحد منكم، هدية غير مفتوحة، هبطت عليه من سماء باريس المشعة على أرض سيدي بو زيد الصاخبة، فكل ما يتوجب عليه فعله هو إزالة الشمس اللاصق عن الثقوب، واستخدام شعلة صغيرة لكي يكون بوسعك اخراج العطر النفاذ، تماماً كأنك تشعل البخور...

عزيزي التونسي.. عزيزتي التونسية.. تقدم لك الحكومة الفرنسية خالص تحياتها وتعدك بمزيد من الهدايا في المستقبل، حتى ذلك الحين، دمتم.. في المقابر»!