«ذكرت مصادر في صيدا أنه سقط مساء الجمعة خلال إطلاق النار قتيلان هما الدكتور صابر القادري وزوجته مبادئ قصب وأصيبت أيضا ابنتهما ياسمين القادري..».

خبر موجز في صحيفة لبنانية. التاريخ التاسع من مايو (أيار) العام .2008 المكان: مدينة صيدا في جنوب لبنان. السبب: مرور عادي لرجل مع زوجته وابنته في شارع مصنّف ضمن لائحة «شوارع الحروب»، أو «حروب الشوارع». الرجل: الدكتور صابر، أو الأستاذ صابر، كما عرفته، لأول مرة، قبل عشرين سنة.

إلى ياسمين..

صديقتي ياسمين، وأنا أيضا أحد الذين علمني أبوك كيف أكتب موضوع الإنشاء. وكان فخورا بي، ويحدث زملاءه في غرفة المعلمين في المدرسة الحكومية عن موهبة مبكرة يتلمسها عند ذلك الطفل في الصف الأول متوسط.. وأنا أيضا، واحد من الآلاف الذين تعلّموا من الأستاذ صابر أن الحرف هو بندقية الحياة التي تقتل الجهل والجهلاء، تقضي على الظلم والظلاميين، إن العبارة، حين تقول الحق، ولا تتحايل او تتغافل.. ولا تتزيّن ولا تتجوّف.. هي زينة الأيام وعقد الياسمين على عنقها.. ان اللغة، وهو كان متحزبا لجمال اللغة العربية وغناها، فيها منافذ للرقي وهي عبور إلى التحضّر والحضارة..

صديقتي ياسمين، كان صابر، واسمحي لي ان اخلع الألقاب، صابرا على كل المحن والضغوطات التي تريد ان تحوّل أستاذ لغة عربية الى «موضة قديمة» او «مهرّج». لم يضربنا، كما فعل أستاذ التاريخ المريض نفسيا، لم يرفع صوته في وجه أحد، لم يكسر اصبع تلميذ بين طرفي «البيكار»، لم يشتم.. كان، في أقصى لحظات يأسه، أو غضبه من كسالى التلاميذ أو المهملين أو الوقحين، يسرد حكاية ذات حكمة، أو يأتي ببيت شعر مناسب للواقعة، ثم يفسّره، أملا منه أن يؤثر في «المتمردين». كان يجأ الى اللغة، التعبير، مرة جديدة، لكي يصفّي حساباته مع الرعناء والجهلاء. أرعن منهم، جاهل منهم، أتراه هو من أطلق الرصاص عليكم، فأرداه ووالدتك.. قتل صابر تلميذ من تلامذته، بغيض يكره اللغة والعبارة والحرف وموضوع الانشاء. بغيض لا يقرأ، لا في القرآن ولا في الانجيل ولا في كتب الأولين وأشعارهم. بغيض كان يسخر منا، نحن المنتظمين في حصة التعبير، يراقبنا من وراء النافذة، فيما يتبلع سندويشا ويشعل سيجارة ويومي بأصابعه شاتما صابر وتلامذته..

صديقتي ياسمين، بعد ان نشرت اول مقالة «رسمية» لي في صحيفة، وكان ذلك منذ اكثر من عقد، جاءني أحدهم يسألني عن حس البلاغة وحسن الكلام، فقلت: اثنان، أبي والأستاذ صابر. ومنذ ذلك الحين، وصورته تأتي الى البال، كلما استوطن الاحباط في بلاغتي، واليأس في كلامي. أستعيد وجهه أبيضا ضحوكا، وعينيه الملونتين كبحر مديد، يقول: اكتب، عبّر، الكلمة تبقى، تحلّق، تبني، تصلح..

صديقتي ياسمين، في هذا اليوم الكئيب، والبلد يتحضر لجولة جديدة من العاب الرعناء والجهلاء، أشد على يديك، أقبّل صورة الاستاذ، وأعتذر منه، فقد آن الأوان لكي نعترف أن الكلمة لا تمنع بندقية ولا رصاصة ولا نهايات محتومة في بلد تغيّب عن «حصة التعبير» الجميلة وانزوى عند الحائط جاهلا ينفث دخان سيجارة!