«بقرتي الحبيبة.. الليلة أذبحك. أبيع لحمك بأرخص الأسعار. لم أعد قادراً على تحمّل تكاليف تربيتك. كما أنني أخاف من أن تصابي بحمّى قلاعية تنقليها لي. أنا لا أحتاج الى حمّى، فحياتي حمّى مستعرة. وقلبي يحترق.

بقرتي الحبيبة، ذهبت الأحلام، وكنت واهما حين اعتقدت بأنك ستدومين لي طالما أحيا. أتذكرين؟ ذلك اليوم الذي ملّست فيه على وبرك الذي لم يكن قد اكتمل، وقلت: وعد أن أدللك يا صغيرة، أسقيك الشعير وأغنّي لك كل صباح. كنت فرحا بك، كأنك دنياي كلها. اليوم، أشعر بوهن. شيء ما يقتات من أعصابي، يتغلغل إلى عضلاتي ويحرقها، لم أعد قادرا على تسميدك وإخراج حليبك النقي.

 لم يعد أحد يشتري هذا الحليب، أصلا، والبودرة المجففة قد غزت الأسواق. تأتي من الشرق، تأتي من الغرب، وصهريجي في زاوية الدار يأكله الصدأ. صهريجي بارد وخاو، ونخالتي رطبة ومتعفنة. لم يعد لديّ ما يكفي لكي تشبعي، ومنذ زمن طويل توقفت عن الغناء في الصباح. لذلك، لا أمل لي إلا في ذبحك، وأبيع لحمك بأرخص الأسعار.

بقرتي الحبيبة، هذه الظهيرة، نذهب سوية في آخر مشوار. أربط عنقك بحبل أخضر، ونتمشى في وسط المدينة، التي تتشح بالسواد. كل شيء أسود هنا. ثياب الناس وخيمهم. أنفاسهم وصرخاتهم. أهو الحزن أم الغضب، اليأس أم التسلط، القوة أم الضعف؟ الأسود لون لاحتمالات كثيرة، ونتيجة واحدة: لون الغياب. والليلة تغيبين عني، ولن أصحو على تحركاتك في «الزريبة»، و«الكوابيس» التي توحش منامتك، فترفسين، وتخورين، وأهب إليك مسرعا، كمن يهب لنجدة حبيبته.

نتجوّل على كورنيش البحر، نناظر الغروب. تحدقين في الشمس الذائبة. تتكوّر في حدقتي عينيك الواسعتين. ألمح دمعة. لا تشيحين عنها، حتى تنطفئ تماما. تذهب الشمس وتلوح في الأفق أضواء خافتة من بعيد. أضواء سفن حربية تتجهز لإحراق الأخضر واليابس، الحبل الأخضر والعلف اليابس. علينا أن نرحل بسرعة، عليّ أن أذبحك الليلة، فلا تحترقي في الغد. عليّ أن أتأكد من أن روحك خرجت من النحر مطمئنة هانئة، لا مخنوقة بدخان الحريق الكبير.

بقرتي الحبيبة، لا تحزني، فإن مرتعك مروج خضراء، تحوم في فضاءاتها الفراشات وتحلّق العصافير وتهدر فيها أنهار بيضاء، ومرتعي خوف وارتياب، ووحدة قاتلة»!