لماذا نحتاج الى «تور»، وهو اسم برنامج الكمبيوتر الذي يمنع أياً كان من تعقب ما تتصفحه على الإنترنت. البرنامج الذي اخترعه جايكوب ابلبوم، أحد مؤسسي إنجاز «ويكليكس» الشهير.
نحتاج الى «تور» لكي نحارب ذلك «الثور»، أو باللفظ العربي الدارج «التور» الذي يعتقد بأن التعقب البوليسي لا يزال يجدي، والحجر على المعلومة وسياسة «تخليل» (من مخللات) الشعوب في قمقم، لا تزال تنفع. ذلك «التور» الهائج منذ عقود، الذي ينضح بالكره، وينطح بالتسلّط، وينصح بالخنوع. الناضح الناطح الناصح، حان وقت توقيفه ومواجهته ومنعه من التغلغل في أفكارنا وعواطفنا وأنفاسنا، أنفاس الياسمين، التي مهما تأكسد الفضاء برائحة الخوف المخنوق، والإحباط النتن، والاستسلام العفن، فإنها قادرة على أن تفوح وتبوح.
نحتاج الى «تور» لأن يومياتنا على الـ«فيس بوك» ليست ملكاً لأحد، لا لوسائل إعلان ولا لأجهزة استخبارات، بل لأناس مقربين وطيبين، آثرنا، وبمحض إرادتنا، أن نتشارك معهم تلك اليوميات، لحظات الفرح، حالات الحزن، بريق الفكرة ولمعة الكلمة.
نحتاج الى «تور» لكي لا يحكمنا جاهل، أو فاسد، لكي نتبادل أشرطة «اليوتيوب»، التي تكشف الدم والنار والدخان، من دون أن يتم تعقب مصدر الشريط وعقاب مصدّره. أن يقول الشباب كلمته، من دون أن تتعفن عظامه في معتقل تجتاح البكتيريا جدرانه الرطبة.. نحتاج الى هذا «السوفتوير» لكي نروي، ومن دون خوف، حكايات الجلاد الذي تآمر على حياتنا وحياة أبنائنا وسلالتنا، تحت شعار الوطنية مرة، والدين مرة، و«القيم» مرات.. كي ندوّن، للتاريخ، قصصنا العابقة بالأسى والألم والجوع. لكل منا حق بأن يدوّن، بأن يغدو «البلوغر» الأشجع في حيه ومنطقته ومدينته وبلده، من دون أن يخاف من المتعقبين والمترصدين والمتلصصين.
ومن دون مزايدات ولا مبالغات، ومن دون الاستسلام الى دوائر الإحباط وتشويه المنجز وتفويت اللحظة، يجب أن نعي، وعلى قول السيدة فيروز، أن الأمل موجود: «ايه في أمل.. مرات بيطلع من ضجر». لقد تسيّد الضجر طويلا، فـ«فرقع» نارا ودخاناً، وعلينا ألا نعيده الى دائرة «الحال من المحال»، أو «ليس بالإمكان أفضل مما كان»، الى تلك الدائرة من الأساطير الشعبية التي تخدّر ولا تداوي، وتدجّن ولا تحيي. لقد أثبت «شباب الياسمين» أنه أمكن أن يكون أفضل مما كان، وأن المحال لا يجب أن يظل محركا للحال، وهنا، يقبع الأمل، الذي علينا أن نصونه ونحمي وهجه من أن يخبو ونهتدي بهديه.
ومن دون شعر ولا نثر شعري، ولا الابتهاج الذي يدفعنا إلى اطلاق الرصاص الطائش، علينا أن نحوّل هذا الأمل إلى واقع يغيّر حياتنا وينير ظلمة أيامنا.
نحتاج إلى «تور»، لأن معارك الشباب، بات جزء منها يخاض عبر «اليوتيوب» و«الفيس بوك» و«الموبايل»، وغيرها من الأدوات التي لم يكن يتوقع «التور» يوماً ما أنها ستكسّر.. قمقمه!