لا أدري إن كان سوء حظي أم «اشراقه» هو الذي جعل موقف سيارتي في الحي الذي اقطن فيه ملاصقاً لشجرة. الموقف 36، يتسع لسيارة فورد فوكوس صغيرة و.. شجرة. في الصباح، حين أفتح باب العربة، اتنبه بالطبع الى غصن الشجرة الذي يكاد يناطح السقف. لديّ قدرة التركيز الفريدة تلك، التي تنتابنا في الصباحات، وهي خليط من كافيين القهوة وحماسة الخطط وأمل بيوم جديد مفعم بالإنجاز والسلام. هذا كله قد يتبدد بسهولة، في المساء. فيضيع التركيز، كما يضيع الأمل، ويصبح التعرض لضربة غير مقصودة من غصن الشجرة أمرا واردا، في اللحظة التي أخرج فيها من السيارة. ولأنني لست طه حسين، الذي ذكر مرة أنه اصطدم بغصن شجرة فيما كان يتمشى في احد شوارع القاهرة، فتعلّم الدرس، وبات ينحني للغصن، في مروره اليومي، واستمر على هذا السلوك، حتى بعد أن أزيلت الشجرة. كان في موقعها، حين يمر، ينحني، بحركة غير إرادية. ولأنني لست صاحب «شجرة البؤس»، وقدراتي البصرية، من «المفترض» أنها عالية، فإنه يتوجب عليّ ألا ألدغ من «ذات الشجرة» مرتين. لكن ذلك لم يحصل، وتورمات «النافوخ» تشهد على ذلك. بعد المرة الخامسة، انتابتني حالة غضب، اذ إن تكرار الخطأ، وعدم التحوّط، كل هذه المرات، دلالة تشتت ذهني، «غير مقبول»، كما صرخت ذات مرة، بعد الألم الموجع، فطارت، من هول الصرخة، شلة عصافير مفزوعة كانت تستوطن الشجرة.

ثم تبدد الغضب، قلت، ربما هذا لحسن حظي. لإشراقه. ربما في الأمر فائدة، و«عسى أن تكرهوا شيئا..». ربما تساهم «خبطة» الشجرة بفقدان ذاكرة مؤقت.

تصحو من النوم، تعيش يومك، تختزن كلاما ممجوجا، تقابل بعض «الأشرار» (طبعا هذا لا ينفي وجودالأخيار على قلتهم)، تقرأ الكثير من التقارير الصحفية المحبطة، تتلقى أنباء على «الفيس بوك» والبريد الالكتروني تدعو الى اليأس، تصيبك كآبة جراء زيف بعض الأصدقاء وخوائهم وقد هدرت أيامك مرتبطا بهم، يصيبك برد يستوطن العظام بحالة ضجر، تمر غمامة سوداء في دماغك، كدخان سيجارة سامة، يصيبك الذعر، أي ذعر، واحد من عشرات الأنواع للرهاب الذي يصيبك.. تقرر أنك يائس وستنفجر، تصل الى المستطيل رقم 36، توقف سيارتك، تكاد تهرّب «دمعة»، تفتح الباب، ثم.. «طب»، يضرب رأسك غصن الشجرة، فإذا بكل ما في الدماغ يختفي، واذا بكل ما تم تخزينه يتبدد، واذا بك، مع فقدان ذاكرة مؤقت يدوم بين الفترة المسائية، والفترة ذاتها في اليوم التالي، انسانا يتجدد كل اربع وعشرين ساعة مرة. كأنك تولد من جديد كل يوم. تفرّغ حمولة العقل والقلب، تكنسها حتى آخر صورة واحساس، تنظّفها، وتعبئها من جديد.

علاج فعال، وان كان مؤلما، ضريبته الوحيدة هي تلك التورمات الملونة التي سيخطّها غصن الشجرة على «صلعة» رأسك، كما يخط فنان تشكيلي لوحته. وهي، للعلم، لن تبقى مؤلمة طوال الوقت، اذ سرعان ما ستتكون لك جلدة جديدة صلبة مهمتها احتواء الضربات.. وقد ينبت فوق الجلدة الجديدة ريش، وقد تتحول الى عصفور، فتنط فوق الغصن، وتستوطن الشجرة بدل أن تنطحها.. كل يوم!