«لسنا كتلا متبلدة. لسنا أذهانا متعطلة. لقمة العيش تشغلنا، لكننا نحرق الجسد حين تصبح المذلة قدرنا. حين يطلق القنّاص رصاصته، المؤتمر بها، على صدرنا العاري، على أنفاسنا الأخيرة، على كفننا الذي أودعناه خزانة أمهاتنا وخرجنا، لكي ندافع عن شرف أمهاتنا وعزة آبائنا ومستقبل أبنائنا. لسنا المغيبين، المعتوهين، الجبناء، مصدري «التطرف» و«الإرهاب»، ولا «العنف» ولا «الفوضى».

نحن أصحاب الحق، والبلاد، والشوارع، والحارات، والشواطئ. العنف هو عنف السقف الذي لا يحمي من برد الشتاء، والخزانة الفارغة عن حبوبها وحنطتها، والليل المخنوق بحكايات العجز والألم ودموع المعوزين. الفوضى، هي استشراء الظلم، وفقدان العدالة، وانقلاب الموازين، فيصبح الجلاد بطلا، وتصبح الضحية مخطئة ومتمردة وشاذة. الإرهاب هو الحزن المقيم في قلب صياد لا يطعمه بحره، هو اليأس الذي يفتت أحلام متعطل، مطرود من السوق والساحة والرصيف، هو أن تلفظ على هامش، تناظر منه آخرين يرتقون، يصفقون، يبنون، يظهرون في المقابلات التلفزيونية، ثم ينزاح زجاج سيارتهم الفخمة عن وجه غليظ، يشيلون النظارة السوداء للحظات، وينظرون إليك، من بعيد، نظرة احتقار، تقول انه لا حق لديك حتى بمشاركتنا الهواء الذي نتنفسه، اذهب بعيدا الى أي جحيم، أو لا تذهب، فالجحيم هو ما نسكنك فيه. هذا هو الإرهاب.

لسنا قلوبا ميتة، ولا همما عاجزة، ولا أحلاما متيبسة. وقمصاننا المدمّاة ننشرها اليوم على الملأ، وقتلانا المحروقين، نضمد جراح جثثهم قبل الدفن، وصرخاتهم الأخيرة، نعلقها على الحيطان في صدر البيت، وتواريخنا نكتبها بالدم، ونضيف إلى حكايات الثوار الإشراف، حكاية جديدة، والى قصائد الشعراء المتحمسين، قصيدة جديدة، والى شعارات شباب الـ« فيس بوك» عبارات نبيلة.

لسنا أصداء الزمن الماضي، نحن افتتاحية السنوات، وبدايات الايام، شروق الشمس وبزوغ الفجر. ولن يكون 2012 مثل 2011، من بعدنا، ولن يكون 2012 مثل .2013 ولن تبقى الايام عالقة على روزنامات باهتة، لا تذكر الا وصفات الطبخ والحظ ومآثر القدماء، لقد انزلنا الأيام عن عروشها، الى الشوارع والحارات. الأيام باتت أيامنا.

لسنا صورة لنشرة اخبار، ولا شفقة لأغنية متعجلة، ولا عاطفة لمداحي الأفراح، المطبلين، بل نحن قول الرجال وفعلهم، عزيمة الشرفاء وتضحياتهم، نحرق أجسادنا ونثقبها لكي نغيّر ما لا يتغيّر.

أجسادنا لم تعد على الأرض. أرواحنا هائمة في السماء. قبلاتنا متروكة على مخدات الأمهات. أوجاعنا أفراح شعبنا الحر» .