أفتح مدوناتي القديمة وأقرأ. ما اشبه اليوم بالأمس، المدينة لا تتغير، الكلمات لا تتغير، الخوف في السطور وما وراءها: «تهدينني الدفتر، يا صغيرة، لكي أدوّن رذاذ المطر وفرح الرفاق في بيروت.

أخاف على شارع الحمرا أن يتوه مني في الطائرة. أن تسرقه ثرثرة مضيفة جميلة.. على الزوابع الصغيرة التي تلعب عند الزوايا، قرب منصات الكتب والجرائد، فتضحكني.. على الشمس التي تتخفى بنظارة رمادية ثم تفاجئنا عند مفرق «بليس»، فنضحك.. على الدفء الذي يجلسنا في مكتبة «بيسان» نتساير مع صاحبها، و«تورّطنا» حكاياته الضاحكة بشراء مزيد من الكتب. «عشت لأروي» «وخفة الكائن التي لا تحتمل» و«ذاكرة غانياتي الحزينات».

نهاد الصغيرة باتت صبية. النصوص نكتبها، نعود اليها، لا تتغير، كما الخوف في بيروت. الناس يكبرون. نهاد التي أهديتها النص قبل سنوات، باتت «عروسا» تتزيّن على «الفيس بوك». آنذاك قالت لي: اريد ان أطير الى أي مكان اذا نشبت حرب. هل لديك يا «خال» طائرة؟»

«كان يكفي، يا نهاد، أن يكون في حقيبتي دفترك وكتاب التاريخ لكي يقبلوني في المدرسة التي تتعلمّين فيها. لكنّ أحدا لم يوقفني في مطار بيروت، ولا مطار دبي، ويعدني إلى مدرستي التي تبعد أربعين كيلومترا فقط، باتجاه الجنوب.

لا أحد يستعيدني (أو أنني لا أستعيد نفسي)، فأجدني بعد ثلاث ساعات في مدينة أخرى.. أخاف على الكورنيش وضحكة الصديقة تدوّي في وجوه الراكضين، تعلو فوق «الأنكل ديك» ورائحة القهوة وعمود المنارة والنوارس وبقايا سحب من زمن الصيف.

تعلو كثيرا، حتى تكاد تبحّ. وجهها الذي كصباح بيروتي يرتدي بيجامة زهرية، يترك قليلا من النوم حول عينيه، يأكل منقوشة «بربر»، ثم ينزل إلى حافة البحر يوزّع الغواية على العابرين. غواية الحياة والفرح والضحك. «من هو الإنسان؟»، تقول اللافتة المعلقة إلى جوار البحر، بسذاجة. الإنسان، يا نهاد، يا طفلة جميلة تعلّق نجوما حول عينيها، هو صباح بيروتي يرتدي بيجامة زهرية».

هل هو كذلك، وجه المدينة؟ زهريّ ومضيء، أم هو وجه الخيال الذي اخترعناه لها، في النص، فقط، كي تقبلنا ولا.. تقتلنا.

«أخاف على ذلك كلّه واكثر، أن يضيع، فأسألك، قبلا، عن دفتر. ضحكتك يا نهاد، وأنت تعتذرين لي نيابة عن الصفحات، أنها «مخططة بالعرض» وليست «كارو»، لا تغادر حواشي الورق ولا الهوامش. مائة صفحة في دفترك. دفتري.

عددتها. مائة ضحكة تحيط بأبيض ينتظر كلمات تصف الضحكة. أمس، حين فتحت حقيبة السفر لكي أخرج منها دفترك هبّ في وجهي سرب فراشات بنفسجية، ونبتت شجرة خضراء تفرّعت غصونها المبرعمة الطريّة في كل مكان، تسحبت تحت الوسادة ودخلت خزانتي، وخرجت ضحكاتك من الورق تذكّرني انّه لا يزال هناك متسّع من الحب في المدينة. بيروت.