أحتاج الى تلفازك. وتلفاز جارك. وصديقك. وابن عمك. في واقع الأمر، أحتاج الى نصف مليون شاشة تلفاز. وسأقول لك السبب بعد قليل، ولكن دعني، قبلها، أسألك: لماذا تحتاج الى تلفازك؟ لتشعل صدرك، قلبك، عقلك، روحك؟ هل تريد أن تحيا بروح محروقة، طوال حياتك. ما لك وتونس والجزائر وبيروت والإسكندرية وغزة والقدس وبغداد؟ ما لك والحرائق؟ شهيد هنا، قتيل هناك، فقير هنا، فاسد هناك، قاتل هنا، مقتول هناك.. لماذا تكترث. أطفئ شاشة تلفازك. أحله على «الكراكيب»، اعزله عن حياتك، لا تتركه لشباك العنكبوت والغبار، أعطن تلفازك!
ماذا تفعل بعد الشاي؟ قبل القهوة؟ مع نشرة الأخبار؟ تخاف، ترتاب، يصيبك فزع، تترحم، تتنهد، تتصرف وكأنك تكترث. لكنك عاجز. محبط. وتعرف أن ما باليد «حيلة»، أنك متفرج فقط، وبعد دقائق، سيبرد غضبك وتنقل الصورة الى «روتانا زمان»، حيث أم كلثوم تغني «هو صحيح الهوى غلاب». استمع إلى أم كلثوم عبر المذياع، وامنحني تلفازك.
أحتاج الى نصف مليون شاشة لكي أشاهد «القبة السماوية». قرأت في الصحيفة أن علماء فلك دوليين نجحوا في إعداد أضخم صورة ملونة عرفها العالم حتى الآن للسماء ليلاً، ومشاهدتها تحتاج الى خمسمئة ألف شاشة تلفزيونية متصلة. هل هناك أروع من تأمل السماء. ملايين النجوم. عشر سنوات استغرق بحث العلماء وتصويرهم لكي يتمكنوا من تمشيط رقمي للسماء أحصى نصف مليار جرم سماوي. هل تتخيل هذه الصورة؟ سماء بعيدة، بعيدة عن الدخان والدم والقتل والجوع والإحباط. أجرام ونجوم غامضة ساكنة هائمة صامتة، تنضوي ربما على حيوات سرية، أو على موات لا ينتهي. بعيدة، بعيدة عن الغضب والاضطهاد والفساد والتلاعب بالكلمات، بالعبارات، بتلك الألفاظ التي اخترعها البشر لكي يمارسوا رقيهم وتفوقهم الطبيعي جنباً إلى جنب مع ألاعيب الخداع والغوغائية والعشوائية والهباء المنثور.
أحتاج إلى نصف مليون تلفاز معطل، لا يشغل «الجزيرة» ولا الـ«بي بي سي» ولا الـ«سي إن إن». لا يعبر الى القدس حيث الألم فوق الأرض وتحتها، تحوّل الى طبقات جيولوجية، الى بغداد، حيث الدم فوق الأرض وتحتها، صنعت رائحته غلافا جويا جديدا، إلى بيروت حيث الفراغ والجهل والغرائز، فوق الأرض وتحتها، تحولت الى جاذبية تشد الناس بثقلها فلا يتحررون. نحتاج الى غلاف جوي جديد، أنقى، الى طبقات جيولوجية جديدة، أطهر، الى جاذبية جديدة، أخفّ.. الى قبة سماوية نتأمل فيها وننصت إلى نداء بعيد، أقوى وأسمى، يقول لنا إننا، مهما اصطخبنا، واقتتلنا، وظلمنا، وتسيّدنا، لسنا سوى.. غبار عابر!