الأم تنبّش في نشرات «الأخبار» عن أحوال الطقس. لديها ارتباط خاص بنشرات المناخ وتعرف لها مواعيد وتواقيت وأشكالاً وألواناً. الأم لديها أبناء موزعون على عواصم عربية وغربية. وحين تشرق الشمس في دبي، يكون الثلج قد كسا الطرقات في كندا، وحين يبرد الطقس في الكويت، تكون الأمطار قد تسببت بطوفانات في البرازيل.
الأم تبكي عبر «سكايبي»، تحضن عبر «الجي ميل شاتينغ»، تحنّ عبر نشرات الطقس على «بي بي سي- عربية» و«الجزيرة» و«الجديد» و«تلفزيون دبي». حين حملتهم في بطنها شهوراً، وأرضعتهم، وألبستهم مراييل المدرسة صغاراً، وتلقت قبعاتهم المرمية في الفضاء، في حفلات تخرّجهم من المدرسة والجامعة، ورقصت في حفلات زفافهم، لم تكن تتوقع أنهم، ذات يوم، سيستبدلون بشاشة كمبيوتر وبرامج معقدة، لا تفقه عنها الا كونها تأتي بصوتهم وصورهم.
وحين ناداها حفيدها ذات يوم ليريها صور أبنائها المهاجرين، تتمغط وتكبر بمجرد أن ينقر بإصبعه على تلك القطعة السوداء الصغيرة، التي يسميها «ماوس»، لم تحزن، كونهم، كما يبدون في الصور، سعداء في حياتهم بعيداً عنها، يحتفلون بأعياد ميلاد صغارهم، الذين لم يتسن لها أن تشيل غالبيتهم عند الولادة، لكي تهدهدهم وتهمس في آذانهم بمتمائمها السرية، كما فعلت مع الأبناء.. الصور تكشف جولاتهم حول المدن ورحلاتهم السياحية، رغم أنهم لم يأتوا الى الوطن، الى البيت، الى حضنها، منذ زمن بعيد.. الأم لا تحزن، لكل ذلك، فهي مشغولة بتتبع تفاصيل أخرى: «يا ربي، لماذا يبدو، (يقبر قلبي)، في هذه الصورة نحيلاً.. الا يتغذى جيداً في تلك البلاد الباردة.. ولماذا يحمل كل هذه الأغراض، صغيري الحبيب، فيما زوجته الى جانبه لا تمسك شيئاً سوى.. عنقه!».
الأم لا تعرف عن معنى «المنخفض الجوي» ولا عن «عقدة الرياح» ولا تلك الصور والبيانات التي تمر على الشاشة، فيما المذيعة تسرد أحوال الطقس، هي غالباً تفضل النشرات «منزوعة المذيعات»، أي التي تحدد درجات الطقس كتابة، الى جانب اسم كل مدينة، ورسم صغير يعبر عن وضع الحالة الجوية: غيمة سوداء تعني طقساً بارداً من دون الحاجة الى استخدام مظلة، لكنه برد قارس. هذا يعني أن «تقبر عيني» لديه روماتيزم يصيب قدميه بتنميل شديد، وحين كان صغيراً، كان زملاؤه يسخرون من تلك «البيجامة» الصوفية التي تلبسه اياها تحت الهندام، لكي تقيه شر البرد. وحين تنزّ الغيمة في الصورة مطراً، فهذا يعني أن «حبيبي الصغير» قد ينسى المظلة، على عادته، او يتقصد تركها في البيت، كون حملها «يربكه»، فتكون النتيجة مطراً على رأسه، ونوبة حمى في الليل: «يا ربي من يعتني به في بلاد الغربة؟ من يصنع له الشوربة؟ هل لديهم عدس أصفر هناك؟». وحين تكون الصورة ساطعة، تشعر بارتياح، لا يمنعها بأن تفكر في حساسية عينين « روحي وحياتي» لو نسي ارتداء النظارة في موقع عمله الصحراوي: «في آخر مرة، زارني فيها، وضعت كمادات مغمسة بالشاي البارد على عينيه».
الزمن تغيّر. الأبناء لا ينقطعون عن الزيارة، لكنهم أشباح. أصوات تنبعث من جهاز أو صور تهتز وتتقطع. الزمن تغيّر. لكن الأم على حالها، تنتظر!