لماذا أتلصص على مشترية «الطماطم»؟ سألت نفسي بعدما تنبهت الى أن طريقة نظري اليها باتت «مفضوحة»، وقد تلتفت في أي لحظة وتقول: «أستاذ، هل هناك مشكلة؟» أو بعبارة أخرى: «مستر، اذ ذير إني بروبليم؟»، وقد تحادثني بلغة غير مفهومة، وذلك افضل، ففي هذه الحالة سأتذرع بعدم الفهم وأهرب من الورطة. ليست من عاداتي التلصص على البشر، فأنا لست من تلك النوعية التي تطالعك من رأسك الى أخص قدميك عند أول مقابلة، أو التي تجلس على كراسي المقهى وتراقب المارة وتحدق في عيونهم ولا تشيح بنظرها ان التفتوا بالصدفة. أمور كثيرة تمنعني من ذلك. ربما تجارب سابقة، في عمر الطفولة أو الشباب، علمتني أن التحديق في الأشخاص هو نوع من التعدي على «حق عام»، طالما هم غرباء (إن كان حقا وإن كان عاما فلماذا لا يكون مشاع اذا ولماذا ينفر منه الناس؟)، أو هي مواقف محرجة تورطت فيها بسبب تلك النظرات: امرأة تمشي على مسافة أمتار من زوجها، يروقك شكل الفستان أو لون الحقيبة فيأخذك النظر من دون أن تتعمد أي اساءة، لحظات قليلة ويختفي مرمى بصرك اذ تصده جثة عتية، تكتشف أنه الزوج واقف قبالتك، مع سؤال: لماذا تحدق في زوجتي يا.. وقد تقرر أن تنظر الى طفل يأكل الآيس كريم، ولسبب ما يوقعها على الأرض في اللحظة ذاتها، فتجده يبكي ويشير اليك، فيما يشد بقميص أبيه، ويصرخ فيك كأنك المتسبب في ضياع «كنزه».. أو تحدق في وجه، فيعود اليك بعد لحظات مع عبارة: هل تذكرتني؟ تدين لي بمبلغ مالي منذ سنوات ولم تدفه لي بعد.. ومواقف أخرى قد تصادف المتلصصين والمحدقين، وهي، وغيرها تمنعني من القيام بالأمر ذاته.

لكن الأمر كان مختلفا مع مشترية الطماطم. ثمة شعور يغمرك وأنت في السوق، تحاول أن تكون «حذقا» لاختيار أفضل حبات الخضار أو الفاكهة المعروضة، «تنقي» الحبة، تقلبها بين يديك، مرة، اثنين، تضعها في الكيس. ولكن، هل لحظة وضعها في الكيس تكون متأكدا فيها أن الحبة «كاملة» أو على الأقل أنك فزت بالأفضل، وانك تركت السيئة، أو الأقل جودة، لانسان آخر؟ هل أنت جيد، أساسا، في اغتنام الفرص، حين تكون «معروضة في السوق»، على قولة الجاحظ، أم أنك سيئ الحظ، وتلاحقك لعنة الاختيارات الخاطئة. هل للأمر علاقة بالحظ والقدر، أم أننا نتحمل مسؤولية كل اختياراتنا في الحياة؟ ولماذا، حين تكون في السوق أو السوبرماركت، تناظر الآخرين في كيفية انتقائهم للبضاعة؟ هل هذا اثبات على أنانية الانسان ورغبته بأن يحظى بالأفضل، ويترك الأسوأ للآخر. لماذا لا نقوم بتعبئة نصف الكيس بالحبات الجيدة والنصف الآخر بالحبات «المضروبة»، فاذا قام واحد منا باختيار كل الجيد، فهذا يعني أن كل السيئ سيكون تلقائيا من نصيب الآخر. هل اذا كان جارك، أو جارتك، في السوبرماركت يقوم بعملية الاختيار يحركة سريعة، فهل هذا يعني أنه ماهر أكثر منك وأنك عاجز، هل مراقبتك له في هذه الحالة تنطوي على عملية جلد ذاتي؟

التفتت اليّ مشترية الطماطم وقالت: «هل هناك مشكلة؟»، «نعم يا سيدتي، مشكلتنا في القناعة»!