كان في غرفته في دار المسنين، يراجع صور الغرباء التي يعج بها الجدار. الغرباء أبطال رحلاته وحياته التي كانت صاخبة. تلك السويسرية في لوزرن، صوّرها في كوخها الصغير وهي تشوي الكستناء الذي تبيعه للمارة أمام الجسر الخشبي الشهير. إلى اليوم لم يجد تفسيراً لتصرّفها. حالما لمع «فلاش» الكاميرا في عينيها، رشقته غاضبة بحبة كستناء مجمرة حرقت عنقه، قبل أن تشرع بالصراخ ثم البكاء. كان يتألّم، وكانت تشتمه بالألمانية التي يجهلها، والتمّ الناس، فاضطر للابتعاد إلى الجانب الآخر من الطريق. بشعرها المنكوش والقلادة القصيرة التي تطوّق رقبتها، والهالات السود التي تدوّر تظلل عينيها اللتين بدا وكأنّ دمعاً استقرّ فيهما، جاءته بعد قليل. لم تقل شيئاً. قدمت له الكستناء في كيس ورقي مزدوج الجيب. قبّلته وغادرت. مضى أكثر من ثلاثين سنة على تلك الحادثة، وضوء الكاميرا لم يتوقف يوماً عن مهاجمة عينيها المذعورتين على الحائط، قرب المكتبة.

بائع زهور في «ميدان التحرير» بالقاهرة، صانعة بيتزا في شارع «سانت دنيس» الباريسي، عجوز وسيجارة شرهة في زقاق في شنغهاي، كنّاس ليلي في شارع بليس في بيروت، مهرّج في ساحة سانت ستيفان في فيينا.. عشرات الوجوه، مئات العيون، تحدّق فيه الآن من على الحائط. يكتشف أنهم لم يكونوا غرباء، أنهم كانوا كل دنياه التي تحتضر الآن وهو وحيد في دار العجزة الوضيع، ذي الحديقة الحقيرة، على تلة نائية في المدينة التي ولد فيها. ابنته توقفت عن زيارته منذ زمن بعيد، وقد مضى على آخر زيارة قام بها حفيده الوحيد له أكثر من أسبوعين. حينها أتى إليه بعلبة «الجلو»، وقال إنه سيعود بعد يومين ليصنعها له. «جدك طباخ جلو ماهر يا ولد». أجابه آنذاك وانتظر عودته، لكنّه لم يأت. بعد أسبوع، سلّمه خادم الدار رسالة، قال إنها من «الولد الذي يزورك مرات». فضّ الرسالة، ثبّت نظارته الغليظة على طرف أنفه المتطاول، وقرأ: «جدّي العزيز، كل عام وأنت بخير. صار عمرك اليوم تسعة وستين عاما. لن آتي إلى زيارتك كما اعتدت أن أفعل بعد الخروج من المدرسة، فأمي تقول إنك صرت تخرّف وتحادث أشباحا تقول إن صورهم معلّقة على حيطان غرفتك. كما أنك تضرب الممرضة باستمرار وتمزّق الثياب التي تجلبها لك. ولم يبق لديك غير فانيلة واحدة. أمي تقول إنك عشت غريبا عنها طوال حياتك، تسافر من مدينة لأخرى، وأنك، حين كانت جدتي على فراش الموت، كنت مسافراً، وماتت قبل أن تراك. كم كنت أودّ أن أحتفل معك بعيد ميلادك ونأكل (الجلو) سوية، لكنني أخاف أن تغضب مني أمي كثيرا ولا تحادثني طوال حياتها، كما قالت. هذه صورة لي مع الرسالة لكي تتذكرني دوماً. أعرف أننا سنلتقي قريباً، لكن لا أعرف متى؟ محبتي، حفيدك الوحيد صلاح».

طوى الرسالة بعناية ودسّها في درج المكتبة. أخرج الصورة من المغلّف الورقي. وجد لها مكاناً بارزاً على حائط المكتبة وسط صور أبطاله. صورة صلاح الوحيدة بين عشرات الصور التي لم تكن.. بنيّة.