القطة لا تزال في مكانها، وهو انتقل من الكنبة الى كرسي الخشب الموضوع قبالة الحائط الذي تشغل مكتبة صغيرة نصف مساحاته. النصف الآخر لأبطاله. صور الغرباء في أحيائهم الفقيرة. جلس على كرسيّه يستطلع الوجوه كأنه يتعرّف عليها للمرة الأولى. حدّق في ملامحها وتفحّص كمن يبحث عن الوقت الذي غاب ومعه الوظيفة المهمة والشباب الزاخر وتذاكر السفر التي لم تكن تنضب من درج المكتبة.لا يعرف للوجوه أسماء، لكنّه يتذكرّ غالبية الأمكنة. تجرّه الذكريات الى السطوح الخربة، ينام مع المشردين ويأكل الطعام الرديء في المطاعم المتسخّة. يستفيق ليجد أن هناك من يشفق عليه من بين أولئك الناس «البنّيين». أنّ هناك سيّدة تلتقطه من على عتبة غرفتها وهي خارجة لتشحذ في باكر الصباح، وترّش على وجهه الماء الكثير. أن هناك رجلاً، صنعته التنقيب في زبالة المستشفيات، يجده مرمياً على قارعة الشارع كإبرة قذرة، فيزيحه من ممرّ العربات. أن تقبّله متشردة وتمضي في طريقها. أن يعرض عليه صاحب مدينة الملاهي، القريبة من محطة القطار، أن يقوم بتزييت أطراف العربات المعلّقة في الهواء مقابل اطعامه، أن تسأله صاحبة «بوتيك» ملابس حقير تلميع واجهات محلّها بأوراق الجرائد المحبرة كل صباح ورمي زبالة الكراتين وإلباس التماثيل العارية، لقاء صحبتها. أن يشفق عليه أناس يستحقون الشفقة في الأساس، أو هكذا يظنّ الناس الذين ليسوا «بنّيين»، من هم خارج القاع، على السطح، من هم كقطع الموز المخاطية التي تمنع أشعة الشمس من التغلغل الى قلب الكاسة، حيث «الجلو» الشفاف القاني كلؤلؤ، في الكاسة التي كانت موضوعة على المنضدة الى جانبه. أولئك الناس، الذين تصنّفهم الروايات والسينما بالهامشيين والمهمّشين والمهشّمين، بوسعهم أيضاً أن يشفقوا على الغرباء، وهو، متحدياً ظروف واقعه الذي لم يودي به الى قبو السفينة، كان يطمح لأن يلعب في دنياه دور الغريب الى الأبد. الهارب الى الأبد.

الصورة على الحائط تأخذه الى ذلك المقهى في فيينا، يشرب فيه القهوة مع الفتاة التي التقى بها في مكان تدور فيه طقوس غريبة. يدخل الرجال حاملين الالوان والصباغات الزيتية. تصطف مجموعة من الفتيات الجميلات.. تقدّم من إحداهن. حمل ريشته ورسم فراشة بنفسجية على كفها:« أنت جميلة وستطير بك الفراشة الى ربيع لا ينتهي»، قال لها فابتسمت. كانت آية في الجمال. كانت هي الربيع الذي لا ينتهي، وغرقا في الحب، كما يفعل مراهقان تحت شجرة لوز مزهرة. كانت تلك شروط اللعبة. أن تعجب الفتاة بالرسم، والأهم الطريقة التي يصف بها الراسم صنعته، فيفوز بقلبها، وهو لطالما كان يجيد تزيين العبارات، وكاسات الجلو.

في صورة المقهى، يبتسمان للعدسة فيما يدها تشدّ على يده. كأنها تريد أن تظل يده هناك الى الأبد، تحرس الفراشة البنفسجية التي رسمها. لا يذكر الآن من التقط لهما الصورة، لعلّه النادل أو صديقة الفتاة أو احد المارة. كما أنه لا يعرف ان كانت الفراشة لا تزال تطير ام أنها دخلت في شجرة اللوز ذات يوم ولم تعد.