الكلب تحت الشجرة هامد كجثّة. ثمة قطة تتثاءب بكسل ولا تحرّك ذيلها حين تحطّ ذبابة غامقة على طرف أنفها المحدّب الكريه. هو، خلف النافذة المطلّة على الحديقة التي ملأتها الفوضى والقاذورات، يفرز عرقا غزيراً من تحت إبطيه وأسفل ظهره. يبدو مأخوذاً بلون السماء الذي كان يميل الى البنيّ. لا يكترث لأن يغيّر فانلته التي بدأ لونها يصفرّ عند الأطراف التي تحزّ على لحمه المتكدّس في منطقة الصدر. على الكنبة الخضراء الكالحة يسترخي ويتأمّل في صحن «الجلو» الذي تحمّس لصنعه من ساعة، وزيّنه بقطع الموز، قبل أن يفقد الرغبة بابتلاعه.لطالما أحبّ «الجلو» وتباهى أمام رفاقه، كساذج، بأنه «طبّاخ جلو» ماهر. لكنه، وللمرة الأولى في حياته، ينتبه كم أنّ للموز شكلا منفّرا وهو يرجّ على السطحّ كلما اهتزت الطاولة التي ركن عليها الصحن، الى جانب علب أدوية فارغة. على سطح القطع الصفراء المستديرة كان بوسعه أن يلحظ خيوطا مخاطية بيضاء لزجة تتمغّط ببطء. كانت الشمس في أوج غيابها، وأشعة منها يخالطها البرتقالي والبنفسجي- يعرفها جيّداً ويحبّها وينتظرها كل مساء- تتسلل إلى غرفته الصغيرة تاركة لونا كأنه لون الصدأ ينسحب على الخزانة والطاولة وساعة الحائط وصحن الجلو والسروال المتدلّي من كتف الكرسي ويتوقّف عند رجل الكنبة حيث يصبح داكناً كليل مبكر.

الظل أسفل الكنبة يحلُّ باكراً. هكذا هو «الليل السفلي»، كما كان يسمّيه ويعشقه ويقول فيه شعرا متحمّساً، بعد أن أمضى أيام شبابه يبحث عنه ويطلبه في قاع المدن وحفاف الأزقّة ووحل الضواحي وخلف الحيطان. يبحث عنه وراء الصورة النظيفة التي تروّجها وكالات الإعلانات لوجوه المدن والأمكنة. كانت تلك عادته القديمة حين يزور مدينة جديدة في كل مرة. ينتظر حلول تلك الأشعة التي تشبه بلونها الصدأ، قبل أن يهيم على وجهه في المناطق الفقيرة والقذرة، حيث القسوة أكثر من البشر. كان، على عكس الناس، لا يغتمّ لذلك الجوّ البنيّ الداكن، حين يسيطر على السماء تاركاً لونها كلون سكّر محروق، بل كان يعشقه ويشعر أنّ ذلك اللون ليس مجرّد لون، وإنما حياة كاملة. حياة لها رائحتها الخاصة وحركتها الخاصة وشخوصها الخاصين ممن يعرفون، دون غيرهم، السر. متعة أن يغمرهم ذلك اللون ويخرجهم من غرفهم ويحرّضهم أن يهيموا على الأرصفة، بلا هدف. إنه لون التوهان، وطعم التشرّد الذي حلم به منذ أن كان طفلاً. حين كان الحلم سفينة يختبئ في قبوها القذر شاب يهرب من مدينته، بعد أن تهرب منه، ويتسلل من السفينة الى الميناء الغريب في المدينة الغريبة، حيث يلتقي بالحبيبة الغريبة، قبل أن يترك لها، في صباح اليوم التالي، رسالة يرميها مع موج المدّ فلا تصلها أبدا. لكنّه حين كبر، صار رجلاً مهماً، ينام على أسرّة غرف الفنادق الفخمة، حيث يضعون الورد والشوكولاته على الوسادات، ويدلّك الناس أجسادهم ويتقنّعون بمسحوق التفّاح الأخضر. يجول في المطاعم النظيفة، التي لا يحطّ على طاولاتها ذباب ولا تذوب المناديل في مراحيضها، ويروى له تاريخ التماثيل الأثرية التي تطلع من أفواهها نوافير، ويصحب الى المتاحف، حيث يخاف رجال الأمن أن يتلف بريق ضوء الكاميرات روعة الفن المعتّق..