فيما كنت أشاهد فيلم جورج الهاشم «رصاصة طائشة»، الذي حاز على جائزة المهر لأفضل فيلم عربي روائي، تذكرت، لسبب ما، فيلم المخرج النمساوي مايكل هانيكه «الشريط الأبيض»، الذي حاز شهرة عالمية. موضع الشبه لا يتعلق لا باللغة السينمائية ولا بالأداء التمثيلي، ولكن في رابط موضوعي، يشير الى كون الحرب أو نزعات الشر الانساني بصوره الجنونية القصوى، وعبثيته، سواء أودى الى «أفران غاز» في ألمانيا أو حرب أهلية عنيفة في لبنان.. انما ذلك قد يكون انعكاسا لعنف كامن في تجارب ومراحل سابقة لتفجر ذلك الجنون وانفلاته. التربية المنزلية السلطوية على سبيل المثال، التي تميل الى اعطاء الذكر الحق في الاضطهاد والتحكم بمقاليد الأمور، كما هو الحال في فيلم الهاشم، أو التي تميل الى تكريس نزعة الرضوخ والصمت، بمعنى عدم القدرة على التواصل والحوار، كما هي الحالة بالنسبة الى فيلم هانيكه.
هل نحن انتقائيون؟ يردد المخرج النمساوي، ولماذا نتذكر دوما جرائم النازية، وننسى ما قبلها. تلك الأنظمة الاجتماعية والتربوية في ألمانيا بدايات القرن العشرين، التي أنبتت جيلا من المتعصبين، العدائيين، تجاه الآخر.
لكنه لا يريد ان يذهب إلى الحسم. لا يريد انتقاء آخر، بمعنى «عنصرية» الانتقاء، حين تلغى كل الخيارات الأخرى. هو فقط يريد ان يجادل. أن يطرح فكرة، من دون أن يدعي انه يمتلك الحقيقة الكاملة. لذلك منذ المشهد الأول يغذي المعلم- الراوي شكوك المشاهد ويجعله يتساءل حول صحة ما يراه. الراوي يعود بالمشاهد إلى عام 1913، أي عشية الحرب العالمية الأولى، وبالتحديد إلى قرية بروتستانتية صغيرة في ولاية مكلنبورغ - فوربومرن، حيث تحدث عدة حوادث غامضة فظيعة تهز القرية، فيتعرض طبيب القرية إلى حادث مدبر يودي بحياة حصانه ويلقي به في المستشفى لأيام طويلة. ثم تموت قروية على نحو غامض، كما يتعرض طفل البارون إلى الضرب، أما ابن القابلة المعاق فيتعرض للتشويه. من فعل هذه الأحداث الشنيعة؟ لا أحد يعرف. القس (بوركهارد كلاوسنر) يربي أطفاله تربية صارمة تزرع الخوف عميقاً في نفوسهم عن الصور المختلفة للعنف وعن أسباب نشأته يدور فيلم «الشريط الأبيض» للمخرج النمساوي ميشائيل هانيكه Michael Haneke الذي كثيراً ما طرح في أفلامه قضايا مشابهة. في «الشريط الأبيض» يطرح هانيكه تلك القضايا عبر ثلاث شخصيات رئيسية، هي شخصية البارون والطبيب والقس.
وبفيلمه يحث هانيكه المتفرج على التأمل في قضايا مثل التربية التي تعتمد العنف والقمع، وعواقب تلك التربية التي رأى فيها البعض سبباً للإرهاب النازي في ألمانيا الذي اندلع في الثلاثينيات، أي بعد نحو عشرين عاماً من زمن الفيلم، والذي أدى إلى نشوب نيران حرب عالمية أزهقت حياة نحو سبعين مليون من البشر.
وعلى ذات الطريق، يستغل الهاشم فترة تاريخية سابقة على اشتعال الحرب الأهلية في لبنان، وهي التي تلت مباشرة جولة بسيطة بمثابة «بروفة» لما سيأتي، لكي يصور لنا حياة عائلة لبنانية، تعيش تأزماتها، وعنفها.