أحلم بأن استمع إلى أغنية عربية واحدة لا يرد فيها ذكر كلمة «قلبي» مقرونة بكلمة «حبي» . أن تفيض قريحة «زجالي» الأغاني قليلا بعيدا عن هذه «القافية» (ولا مؤاخذة)، فقد مللناها حد القرف. ولا أعرف سببا لذلك التكرار غير فقر اللغة والخيال. وقد يقول قائل، كيف للحب أن يترجم من دون ذكر القلب.
أليس القلب مصدر الحياة، وبما أن الحب مقترن بالعيش (اللهم الا في حالة بعض شعراء العرب ممن يستمرون بالحب حتى وهم في القبور)، فكيف إغفال ذكر القلب المتيّم «الولهان»، الذي تارة «يفز» في أغنية، و«يذوب» في أخرى، وطورا «يطير» في ثالثة و«يرجع» في رابعة.. تماما كأنه طابة الـ« يويو» المطاطية التي يلهو بها الصغار. وبموازاة الخيال الراكد الذي لا يتطور، ثمة أمور أخرى تتطور في هذا العالم.
وبعيدا عنا، لحسن الحظ، ومن ضمنها علم التشريح الذي دلل على اكتشافات مذهلة متعلقة بالحياة والموت. لقد بات على «شعرائنا الأشاوسة» أن يقرأوا (بعضهم يقال انه يدلق الشعر على سجيته ولا يعرف القراءة أصلا).. قليلا في الصفحات العلمية للصحف لعلهم يستلهمون منها شيئا مفيدا، بدل صرف الوقت في قراءة المجلات الفنية التافهة في «كافي روتانا» أو «بوتي كافيه» في بيروت أو «الفيشاوي» في القاهرة..
ومنذ فترة ليست بالوجيزة، صرنا متأكدين أن القلب ليس هو العضو المتحكم وحده في جسم الإنسان، بالموت أو الحياة، وربطا بحالات الحياة المتعددة، بما فيها حالة العشق. الدماغ هو الأساس، وما القلب سوى مورّد رئيسي للأوكسيجين للدماغ الذي إن أصابت خلاياه حالة من «البارانويا» نتيجة نقصان هذا الأوكسجين، ولو لدقيقة واحدة، تتحول الى خلايا سامة تأكل نفسها، فتنطفئ الحياة، مرة واحدة، كما تنطفئ الكهرباء في مدينة بيروت، فيعم الظلام.
ويشهد لماجدة الرومي، رغم «ما حدا بعبي مطرحك بقلبي»، انها تكاد تكون الوحيدة التي تجرأت فعلا على كسر «ايقونة» القلب النابض بالحب وتغنت بعملية جراحية لـ «قلب مفتوح»، قبل سنوات. وفي هذا الوضع تحديدا، اي عملية القلب المفتوح، فإن حقنة صغيرة بحجم الإصبع ستكون قادرة على ايقاف خفقان القلب، من دون أن يعني ذلك الموت. يتوقف القلب، في هذه الحالة، لأول مرة منذ خفقته الأولى في رحم الأم، ويفرغ الجسم من دمه، ليقوم الجراح بعمله، ثم يعيد المريض الى وضعه الطبيعي. لقد تمكن العلم من التشويش على العلاقة بين الحياة والموت والتلاعب بتلك اللحظة التي قد نغيب من بعدها الى الابد، الأمر الذي خلع عن القلب أسطورته المتمثلة بكونه البداية والنهاية.
لذلك، ولكي أكون واقعيا، ومحترما لعقل الجمهور، وللانجازات التي حققها البشر حتى يومنا الحالي من العام 2011، أفكر فعلا في اطلاق «جروب» على «الفيس بوك» ضد الشعراء الذين يرطنون بـ« قلبي» و«حبي» ( وجروب ثاني ضد «احساسي» و«أنفاسي»، وثالث ضد «قدري» و«عمري»). ربما أسميه «اغان ضد القلب»، أو «أغاني الدماغ».. ولن يكون هناك اشتراطات انتقائية للعضوية في البداية، اذ أن المجموعة ستقبل ايا كان، للتشجيع، المهم أن يكون مناوئا للقلب ومناصرا للدماغ، حتى لو كان مستوى اغنيته من قبيل: «دماغي مصدعة.. والبامية مقمّعة»!