جورج سلوزر هو مخرج هولندي يهودي الديانة قرر أن يحول جليد أمستردام إلى «جحيم»، هذه الأيام. النار تشتعل في صدور شعب «ماكوم» (اللفظ العبراني لأمستردام)، فرغم أنهم يعرفون حقاً هذا الرجل الذي ما فتئ يصنع أفلاماً عن فلسطين، بحماسة وجد رغم اقترابه من عقده الثمانين، الا أن أحداً لم يكن يتخيل أن يبلغ هذا الحد من «الجنون» ويفجر «قنبلة موقوتة»، يتردد صداها في كل أرجاء الدنيا. سلوزر، الذي كان صحافياً زمن اجتياح بيروت من قبل الجيش الإسرائيلي في العام 1982، واقتراف أبشع المجازر بحق المدنيين، وتحديداً الفلسطينيين في مخيم «صبرا وشاتيلا»، كشف بعد أكثر من ثلاثة عقود من الصمت(!) أنه رأى بأم عينه ارييل شارون، وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك، يطلق الرصاص على طفلين فلسطينيين من مسافة عشرة أمتار، من دون أن يحرك ساكنا: «كان عملاً فظيعاً، قتلهما كأنه يتخلص من أرنبين، لم يرف له جفن»، قال المخرج في مقابلة مع صحيفة «فولكسكرنت»، ثم ردد شهادته في مجلة «فريج ندرلند»، قبل أن يدافع عنها لصحف كثيرة حول العالم، من بينها «هآرتس» الاسرائيلية وموقع «الجزيرة نت» العربي. لم يتراجع، لم يصحح، لم يتهم المطبوعتين الهولنديتين اللتين كانتا أول من نشر هذه القصة باساءة استخدام أقواله، في مدينة تعد معقل يهود هولندا منذ 370 سنة، سيناريو نادر حدوثه في الغرب، حيث من المعتاد أن يكون التصحيح أو الاعتذار على هكذا تصريحات، أسبق من لمح البصر، وبالتأكيد أسبق من ردود الفعل الاسرائيلية الرسمية التي وصفت الشهادة بأنها «مزورة»، لأن «شارون ما كان ليقتل أطفالاً» (طبعاً لا يعرف أو قد لا يعترف قراء فولكسكرنت المصدومين بأن كنية شارون في العالم العربي والإسلامي هي سفاح الأطفال، وهي الكنية التي استحقها بجدارة من خلال المجازر التي ارتكبت تحت قيادته في لبنان وفلسطين وأودت بحياة مئات المدنيين، جلهم من الأطفال).. الحجج الاسرائيلية تضيف أن «شارون لم يكن موجوداً في نوفمبر في بيروت (المخرج رجح أن تكون الحادثة قد جرت في نوفمبر) وأن البروتوكولات الدبلوماسية لا تسمح للوزراء بحيازة مسدسات». هذه الجلبة رفعت معدلات مشاهدة فيلم سلوزر «الوطن» في المهرجان العالمي للأفلام الوثائقية في أمستردام، وهو فيلمه الرابع عن فلسطين، ويستخدم فيه لقطات صورها عام 1972 اثناء تواجده في المنطقة. لم يكتف بذلك، لكنه صرح لصحافة اسرائيل نفسها بأنه قدم في العام 1983 شكوى بحق شارون إلى «محكمة العدل الدولية في هانغ» و«المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان في ستراسبورغ»، لكنه لم يتلق اي رد منهما. الآلة الدعائية الاسرائيلية سارعت إلى استصدار مواقف من المحكمتين تنفيان وجود هذه الشكوى في «الأرشيف». لكن سلوزر، الذي يحتوي سجله على أفلام روائية وتوثيقية لطالما امتدحتها الصحافة الأوروبية والأميركية، لم يكترث وهو لا يزال يردد الجملة التي اختتم بها فيلمه الجديد: «لم يكن أحد حولنا، فقط عدد من الأطفال يلعبون بعمر سنتين وثلاث سنوات، سحبتَ مسدسك وأطلقت النار عليهم من أجل المتعة.. أعتقد بأن العالم ومعظم الفلسطينيين وأنا أيضاً نأمل لو أنك مت في معسكر الإبادة النازي أوشفيتز».