تماماً حين يقطر عرق من جبينك فتدمع عيناك من الملح وتفكر أنك للمرة الألف تنسى أن تمسح وجهك بمنديل فيما تمسح البلاط. تماما حين يصيبك هوس وضعية اللوحة على الحائط، فتزيحها مليمتراً إلى اليمين، ثم واحداً إلى اليسار، وتتراجع إلى الخلف، ثم تتقدم، فتزجها سنتيمترا إلى اليمين، ثم خمسة إلى اليسار، وتتراجع، ثم تتقدم «فتنهرها» خمسة إلى اليمين وعشرة إلى اليسار، فتنقلب على رأسك. وحين تقرر أنك لن تركب الـ «ميترو» بعد اليوم، فأنت مستعجل، كما أنه يتوجب عليك التقيّد بمواعيد القطارات، لكن القيادة اليومية للسيارة باتت مرهقة، ولديك تعضيل في كتفة والرقبة وأسفل الظهر، كما أن الشرطة قد «باغتتك» في الشهور الماضية عشرات المرات وأنت تجري مكالمة هاتفية، أو «تترقص» يميناً ويساراً من دون «الحزام» أو تظن أن «فلاش» رادار الطريق هو صورة تذكارية يلتقطها عامود الإنارة لك.. فتجد نفسك في الميترو مرة جديدة، مراقباً لساعتك ومتأففاً من كل ذلك الوقت. تماماً حين تصفن في صرصار قتلته للتو، وتفكر لماذا الصراصير حين تموت تنقلب على ظهرها. الانسان حين ترديه رصاصة يسقط جثة هامدة على أي جنب «يرتاح عليه»، إلا هذه الحشرات المقيتة، التي كتبت قبل عشر سنوات قصة قصيرة عنها، مستلهما اياها من معلومة عن قدرتها على البقاء بعد أن يفنى الكون.. إلا هذه الحشرات تصر ان تموت على ظهرها. ثم تنتبه الى أنك سرحت كثيرا في الخيال والذكريات، حتى نسيت أن «تشيل» الصرصور الى «سطل» النفايات، فلا تجده، وتعرف اخيرا لماذا تموت الصراصير على ظهرها. تماما، حين تشتري الكثير من الدفاتر المؤرخة بسنين وايام وساعات، مقررا أخيرا أنك سوف تتخلى عن حالة الكسل، فتقوم بتدوين ما ترى وتزور وتفكر به، كما مشاعرك واحاسيسك، وتكتشف انك، ها أنت مجددا، تشطب على صفحة أول يناير الفارغة تاريخ السنة الماضية، وتستخدم دفترا قديما فارغا، لكي تدون يوميات سنة جديدة تظن بأنها ليست فارغة. تماما، كما تقرر انك ستعتزل الأخبار، فحكايات الدم والظلم باتت تفوق قدرتك على التنفس، فتقفل التلفاز، وتخرج إلى الشرفة، وتترصد أصوات العصافير، وهذا الطائر الغريب «الوهمي» الذي لمحته قبل أيام وكان لونه اخضر فستقياً كأنه ببغاء دغلي، ثم تعود الى جهاز الكومبيوتر وتغرق ساعات في «الجزيرة نت». تماماً، كما تقرر أنه يتوجب عليك على «الفيس بوك» ان تقبل كل من يرسل لك رسالة «صداقة»، وأن تقوم بنفسك بمبادرة إرسالها إلى «اصدقاء» مجهولين لمجرد أنهم على لوائح «الموتيول فراندز»، ثم تفتح ذات ليلة لائحة «اصدقائك» وتسأل: من هم كل هؤلاء، ولماذا هم موجودون على «جداري». تماما، كما تحلم بزيارة القدس، وتبكي حين تستمع الى الأغاني والأشعار عنها، وحين تستمتع الى خبر موت فلسطينية بتنشق الغاز الاسرائيلي السام، اثناء تظاهرة احتجاجية على جدار الفصل العنصري، تقول: الحمد الله، أقله نحن بخير..

تماما كأي يوم آخر، لكي تتأكد أن تواريخ الروزنامة حين تتقلب، وتسقط صفراً من صفرين، فهذا لا يعني أنك ستولد من جديد!